18.4 C
Tunisie
Google search engine
الرئيسيةUncategorizedهل كان في الإسلام الأول شرطة أخلاق؟

هل كان في الإسلام الأول شرطة أخلاق؟

مع كل اقتراب لشهر رمضان، يتجدد الجدل في مجتمعاتنا حول الصائم والمفطر، والعلنية والحياء، والحرية والهوية. يتحول الشهر الذي يفترض أن يكون مساحة روحانية فردية إلى ساحة صراع رمزي: هل المجتمع ديني أم مدني؟ هل الحرية مقدمة على الهوية أم العكس؟ وبين هذه الأسئلة المتكررة، يغيب سؤال أعمق: كيف عالج الإسلام نفسه هذه الإشكالية في بداياته الأولى؟

الإجابة لا تحتاج إلى اجتهادات معاصرة بقدر ما تحتاج إلى العودة إلى التجربة المؤسسة: مجتمع النبي في يثرب (المدينة المنورة). فهناك تشكل أول نموذج سياسي يقوده الإسلام، وهناك أيضًا وُضعت أولى قواعد التعايش بين المختلفين دينيًا واجتماعيًا. وتشير الدراسات السوسيولوجية إلى أن مجتمع المدينة كان متعدد الهويات، يضم مسلمين ويهودًا وغيرهم ضمن إطار سياسي واحد، حيث أُدير هذا التنوع عبر منظومة قيم تقوم على العدل وتنظيم الاختلاف لا إلغائه.

هذا التعدد لم يكن حالة عابرة، بل كان جزءًا من بنية الدولة الناشئة نفسها. فقد نظمت وثيقة المدينة العلاقة بين مكونات المجتمع المختلفة، وأقرت مبدأ التعايش وحرية المعتقد ضمن إطار المواطنة المشتركة، ما أسهم في خلق بيئة استقرار نسبي في مجتمع ناشئ يواجه تحديات داخلية وخارجية معقدة. وتخلص قراءات أكاديمية حديثة إلى أن هذه التجربة قدمت نموذجًا مبكرًا لإدارة التنوع دون اللجوء إلى القسر الديني أو فرض التماثل الثقافي.

في هذا السياق، يبدو الصيام في جوهره عبادة فردية تقوم على النية والاختيار، لا على المراقبة والإكراه. لكن المشكلة تبدأ حين يتحول من تجربة روحية إلى معيار اجتماعي تُقاس به الأخلاق والانتماءات. في هذه اللحظة يفقد الصيام جزءًا من معناه، لأنه ينتقل من كونه فعل إيمان إلى كونه أداة ضبط اجتماعي.

الحرية الدينية، كما تُفهم في الفكر الحقوقي المعاصر، لا تعني فقط حماية حق الإنسان في ممارسة شعائره، بل تشمل أيضًا حقه في عدم ممارستها دون خوف أو عقاب. وهذا الفهم ليس غريبًا عن التراث الإسلامي كما يُصور أحيانًا، بل يجد جذوره في التجربة النبوية نفسها، حيث بُني الإيمان على القناعة، لا على الإكراه، وعلى التعايش، لا على الإقصاء.

المجاهرة بين الفقه والتاريخ: من الدولة الوسيطة إلى سؤال الحداثة

أحد المفاهيم المركزية في الجدل المعاصر هو « المجاهرة بالمعصية ». غير أن عددًا من الباحثين يلفتون إلى أن هذا المفهوم، بصيغته الاجتماعية المتداولة اليوم، تشكّل في سياقات فقهية لاحقة، خصوصًا ضمن أدبيات الحسبة وتنظيم المجال العام في الدول الإسلامية الوسيطة. فبين النصوص التأسيسية والتطبيقات التاريخية مسافة تطور مؤسساتي لا يمكن تجاهلها عند استدعاء المفاهيم إلى النقاش المعاصر.

في هذا السياق، يرى وائل حلق أن كثيرًا من البنى الفقهية التي تستحضر اليوم باعتبارها « أصلية » هي في الواقع نتاج تشكّل تاريخي طويل ارتبط بتعقد الدولة والمجتمع، وأن إسقاطها مباشرة على العصر النبوي يؤدي إلى قراءة غير دقيقة للتجربة التأسيسية. وهو ما يلتقي مع تحليل محمد أركون الذي شدد على ضرورة التمييز بين « الإسلام التاريخي » بوصفه حصيلة تفاعلات بشرية عبر الزمن، و »الإسلام المعياري » بوصفه منظومة قيمية يعاد تأويلها في كل عصر.

انطلاقًا من هذا التمييز، يمكن القول إن فكرة ضبط السلوك الفردي في المجال العام باسم حماية الدين هي، إلى حد كبير، ثمرة تطورات سياسية واجتماعية لاحقة، لا انعكاسًا مباشرًا للتجربة النبوية. ومع دخول المجتمعات المسلمة طور الدولة الحديثة، عاد السؤال القديم بصيغة جديدة: ما حدود الدين في الفضاء العام؟ ومن يملك تعريفها؟

الدولة الحديثة تقوم على مفهوم المواطنة، الذي يفترض مساواة قانونية بين الأفراد بغض النظر عن انتماءاتهم. وهنا يلفت المفكر المغربي عبد الله العروي إلى أن الإشكال في العالم العربي ليس في الدين ذاته، بل في صعوبة الانتقال من منطق الجماعة التقليدية إلى منطق الدولة الحديثة التي تُدار بالقانون العام لا بالمرجعيات الفئوية. وفي الاتجاه نفسه، يرى محمد عابد الجابري أن التوتر بين الأصالة والحداثة غالبًا ما يُدار بطريقة أيديولوجية تُحول النقاشات الاجتماعية إلى معارك هوية، بدل أن تُفهم بوصفها تحولات تاريخية قابلة للفهم والتدبير.

ضمن هذا الإطار، يبرز سؤال آخر: هل توسيع الحريات الفردية يهدد التدين؟ يعترض عدد من الباحثين على هذا الربط المباشر. إذ يرى خالد أبو الفضل أن الإيمان القائم على القناعة الحرة أكثر رسوخًا أخلاقيًا من الإيمان المفروض اجتماعيًا، وأن الإكراه ينتج غالبًا تدينًا شكليًا يفتقر إلى العمق القيمي. كما يشير طارق رمضان إلى أن التحدي الحقيقي في المجتمعات ذات المرجعية الإسلامية ليس في وجود الاختلاف، بل في غياب ثقافة إدارة الاختلاف، وهو طرح ينسجم مع قراءة التجربة الإسلامية المبكرة كنموذج سعى إلى تنظيم التنوع لا إلغائه.

بهذا المعنى، فإن استدعاء مفهوم « المجاهرة » إلى النقاش المعاصر دون وعي بسيرورته التاريخية يختزل مسارًا طويلًا من التحولات الفقهية والسياسية. والقراءة الأكثر توازنًا هي التي تضع المفهوم في سياقه: من تشكلات الفقه الوسيط، إلى تحولات الدولة الحديثة، وصولًا إلى سؤال اليوم: كيف نوازن بين القيم الدينية والفضاء العام في مجتمع تعددي دون الوقوع في ثنائية الإكراه أو الإقصاء؟

السؤال الذي يطرح اليوم حول الإفطار العلني في رمضان يجد جوابه في هذا السياق التاريخي. فلو كان الإسلام في نشأته الأولى قد اعتمد نموذج الإكراه الاجتماعي، لظهرت نصوص واضحة تمنع غير المسلمين من مخالفة الشعائر الإسلامية علنًا. لكن المصادر التاريخية والحديثية لا تنقل روايات صحيحة تفيد بأن النبي فرض الصيام على غير المسلمين أو منعهم من الأكل علنًا. وهذا منطقي من الناحية الفقهية، لأن الصيام عبادة تخص المسلمين أصلًا، ولا يُخاطب بها غيرهم. والأهم من ذلك أن إدارة التعدد في المدينة لم تقم على فرض التشابه، بل على تنظيم الاختلاف. فالتجربة النبوية لم تسعَ إلى إنتاج مجتمع متطابق، بل مجتمع متعايش.

الاختلاف، الحرية، والدين: قراءة خارج ثنائية الصراع

يصور الاختلاف في كثير من الخطابات المعاصرة وكأنه تهديد مباشر لهوية المجتمع، وكأن وحدة الصف لا تتحقق إلا عبر التشابه القسري في الممارسات الدينية. غير أن التاريخ الاجتماعي، قديمًا وحديثًا، يكشف عكس ذلك: المجتمعات الأكثر استقرارًا ليست تلك التي تُلغي التنوع، بل تلك التي تنجح في إدارته. فالاختلاف ليس حالة طارئة، بل حقيقة إنسانية دائمة. وحتى في التجربة الإسلامية المبكرة، لم يكن التحدي في وجود الاختلاف، بل في كيفية تنظيمه وضبطه ضمن إطار من العدل والتعايش، لا عبر الرقابة الأخلاقية أو فرض المظاهر.

هذا المعطى يكتسب أهمية خاصة في الجدل الرمضاني حول الإفطار العلني. إذ يطرح أحيانًا وكأن التشدد الاجتماعي تجاه المفطرين يستند إلى نصوص قرآنية صريحة تلزم المجتمع بمعاقبتهم أو ردعهم. غير أن القراءة المباشرة للنص القرآني لا تقدم سندًا واضحًا لهذا التصور. فالقرآن أكد فرضية الصيام على المؤمنين، لكنه لم يقرن تركه بعقوبة دنيوية محددة، بل أحال الجزاء إلى البعد الأخروي، وقرن التكليف بمنطق التيسير ورفع الحرج « يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر »، و « فمن كان منكم مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر ». غياب نص عقابي صريح يضعف الرواية التي تبرر التشدد الاجتماعي باسم القرآن، ويكشف أن كثيرًا من ممارسات الإكراه تنتمي إلى المجال الثقافي والاجتماعي أكثر من انتمائها إلى النص المؤسس.

ومن هنا تتضح مغالطة شائعة أخرى: تصوير الدفاع عن حرية المفطر كأنه عداء للصائم أو حرب على الدين. هذا الطرح يقوم على خلط بين مستويين مختلفين؛ مستوى الإيمان الفردي، ومستوى النظام العام. الدفاع عن حرية المفطر لا يعني تشجيع الإفطار، بل يعني رفض الإكراه. كما أن احترام الصائم لا يعني فرض الصيام على الجميع. الاحترام قيمة متبادلة، لا أداة هيمنة. بل يمكن القول إن الإيمان نفسه يفقد جزءًا من معناه حين يتحول إلى سلوك مفروض، لأن العبادة التي تُمارس تحت ضغط اجتماعي قد تحفظ الشكل لكنها تُفرغ المعنى.

تقف خلف الدعوات الإقصائية فرضية ضمنية مفادها أن الدين يحتاج إلى حماية عبر المنع والرقابة. لكن هذه الفرضية تطرح سؤالًا أعمق: هل الإيمان هش إلى هذا الحد؟ التجارب التاريخية تشير إلى أن الدين الذي يُعاش بحرية يكون أكثر رسوخًا من الدين الذي يُفرض بالقانون أو الضغط الاجتماعي. الإكراه قد ينتج امتثالًا ظاهريًا، لكنه لا يصنع التزامًا أخلاقيًا حقيقيًا، بل قد يخلق نفاقًا اجتماعيًا يتستر خلف المظاهر.

كما أن التعايش لا يعني التنازل عن الهوية كما يروج أحيانًا. الاعتراف بحق الآخرين في الاختلاف لا يلزم أحدًا بالتخلي عن معتقده، بل يعكس ثقة في قوة هذا المعتقد. الهوية الواثقة لا تحتاج إلى القسر كي تثبت نفسها، بل تتجلى في قدرتها على الوجود دون خوف من المختلفين. وإذا كان المجتمع الإسلامي الأول قد استطاع التعايش مع اختلافات دينية حقيقية، فالأجدر بمجتمعاتنا اليوم أن تتمكن من إدارة اختلافات داخل الدين الواحد دون أن تتحول إلى معارك إقصاء.

تجربة المدينة الأولى تقدم لنا درسًا واضحًا: المجتمع القوي ليس الذي يفرض التشابه، بل الذي يدير الاختلاف بعدل. الإسلام في بداياته لم ينتشر لأنه فرض نفسه بالقوة، بل لأنه قدم نموذجًا أخلاقيًا جذابًا.

اليوم، ونحن نعيد طرح الأسئلة نفسها بعد قرون، ربما آن الأوان لاستعادة تلك الروح. فالدفاع عن حرية الإنسان ليس خروجًا عن الدين، بل عودة إلى أحد أعمق معانيه: لا قيمة للإيمان بلا اختيار، ولا كرامة لمجتمع يخاف من اختلاف أبنائه.

رمضان يمكن أن يكون فرصة سنوية للصراع، أو فرصة سنوية للنضج. والفرق بين الاثنين ليس في النصوص، بل في الطريقة التي نختار أن نفهمها بها. في نهاية المطاف، يبقى السؤال جوهريًا: هل نريد مجتمعًا يُربّي القناعة أم مجتمعًا يراقب السلوك؟ الإجابة عن هذا السؤال هي التي تحدد ما إذا كان رمضان مساحة روحانية جامعة، أم موسمًا سنويًا لإعادة إنتاج الصراع حول من يملك تعريف الفضيلة في الفضاء العام.

بقلم مسعود الحفناوي

باحث متخصص في قضايا الدين والحرية الدينية.

RELATED ARTICLES

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -
Google search engine

Most Popular

Recent Comments