
في الليلة الفاصلة بين السبت والأحد، انقلب مركب هجرة غير نظامية كان قد غادر ميناء تاجوراء الليبي، على بعد أميال قليلة من السواحل الليبية، وسط ظروف جوية عصيبة هزّت البحر المتوسّوط، وقد تمكّنت سفينة تجارية وقارب سحب من إنقاذ 32 ناجياً، فيما انتشل جثمانان. وفق المنظّمة الدولية للهجرة، لا يزال أكثر من 80 مهاجراً في عداد المفقودين، ليرتفع بذلك عدد الوفيات المسجّلة منذ بداية سنة 2026 في حوض المتوسط إلى 990 حالة، وهو رقم قياسي لم يُسجّل منذ سنة 2014.
طريق المتوسط الخطير
غادر المركب ميناء تاجوراء، أحد أبرز نقاط انطلاق شبكات التهريب في غرب ليبيا، قبل أن ينقلب بسبب ارتفاع الأمواج وقوّة الرياح. أعلن خفر السواحل الإيطالي، الذي تولّى نقل الناجين إلى جزيرة لامبيدوزا، أنّ عملية الإنقاذ تعقّدت بسبب انعدام التنسيق مع السلطات الليبية، التي تُتّهم غالباً بالتواطؤ مع المهربين. يأتي هذا الحادث بعد أسبوع واحد فقط من العثور، من قبل خفر السواحل الإيطالي، على 19 جثة أثناء اعتراض قارب مطاطي على بُعد 150 كيلومتراً تقريباً من لامبيدوزا.
تؤكد المنظّمة الدولية للهجرة أن 765 شخصاً لقوا حتفهم منذ مطلع العام على طريق المتوسّط المركزي وحدها، أي بزيادة نسبتها 150% مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2025. وذكّرت المديرة العامة للمنظّمة، إيمي بوب، بأن تزايد أعداد المغادرين مرتبط بعوامل عالمية — حروب، انعدام استقرار، نقص الغذاء، عنف جنسي — وأنّ المعنيين هم اليوم بأعداد كبيرة مهاجرون قادمون من بنغلاديش وباكستان وأفغانستان والسودان. تُظهر حادثة الأحد الماضي استمرار ظاهرة تعجز سياسات الردع والإبعاد الأوروبية عن احتوائها.
تونس: نقطة عبور للهجرة غير النظامية وفضاء سياسي مشدود
إلى جانب ليبيا، تحوّلت تونس إلى نقطة انطلاق رئيسية لراغبي العبور نحو أوروبا. فالسواحل التونسية، لا سيّما سواحل صفاقس والمهدية، تشهد أسبوعياً انطلاق مراكب هجرة غير نظامية، غالباً ما تكون محمّلة فوق طاقتها. وفق معطيات المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، تمّ اعتراض أو إنقاذ أكثر من 13 ألف مهاجر قبالة السواحل التونسية في الثلاثي الأول من سنة 2026، بينهم عدد متزايد من التونسيين أنفسهم، بدفع من أزمة اقتصادية واجتماعية خانقة. تتواصل هذه الظاهرة في سياق سياسي شديد التوتر: منذ الإجراءات الاستثنائية التي اتخذها الرئيس قيس سعيّد في 25 جويلية 2021، تقلّصت الحريات العامة، وحلّ البرلمان، وأقرّ دستور جديد في استفتاء 2022 ركّز السلط بيد السلطة التنفيذية. المجتمع المدني التونسي، الذي كان يوماً نموذجاً في العالم العربي، يتعرّض لحملات تضييق: عدد من وجوه المعارضة ونشطاء مناهضي العنصرية يُلاحقون اليوم بتهم « المسّ بأمن الدولة ». في هذا المناخ، شدّدت السلطات التونسية من مقاربتها للهجرة: منذ صائفة 2025، تمّ ترحيل آلاف المهاجرين الأفارقة من جنوب الصحراء تعسفاً نحو المناطق الصحراوية الحدودية مع ليبيا والجزائر، دون تمكينهم من إجراءات عادلة، وفق تقارير « منظمة العفو الدولية » و »هيومن رايتس ووتش ». هذا التشديد الذي رحّبت به بعض الدول الأوروبية، لم يُقلّص عدد المغادرين، بل غيّر مسارات الهجرة وزاد من هشاشة اللاجئين.
بينما لا يتراجع عدد حوادث الغرق في قنال صقلية، وتتوسّع تونس في دورها كفاعل أساسي في ضبط الهجرة على أبواب أوروبا، يبدو المجتمع الدولي عاجزاً عن ردع هذه المأساة. فهل يكفي توطين الحدود الأوروبية ودعم خفر السواحل التونسي والليبي، رغم الإدانات المتكرّرة لممارساتهما، لتفادي الكارثة القادمة؟ ليس أكيداً، طالما بقيت الأسباب العميقة للنزوح — القمع السياسي، الفقر المدقع، النزاعات الإقليمية — من دون حل، وطالما بقيت طرق الموت مفتوحة على يأسها.