قرّرت النيابة العمومية بالمحكمة الابتدائية بتونس الاحتفاظ بالصحفي زياد الهاني بعد استدعائه والاستماع إلى أقواله لدى الفرقة المركزية لمكافحة جرائم تكنولوجيا المعلومات والاتصال التابعة للحرس الوطني بالعوينة، وذلك على خلفية نشره تدوينة على صفحته الخاصة على فايسبوك ينقل فيها مداخلة تقدّم بها أثناء ندوة علمية بإحدى الكليات، تضمّنت تعليقاً على قضية صحفي وضابط سابقين قضت محكمة الاستئناف بتبرئتهما.
تفاصيل الإجراء القضائي
أصدرت النيابة العمومية بالمحكمة الابتدائية بتونس، اليوم الجمعة 24 أفريل 2026، قراراً بالاحتفاظ بالصحفي زياد الهاني، وذلك بعد ساعات من استدعائه إلى الفرقة المركزية الخامسة لمكافحة جرائم تكنولوجيا المعلومات والاتصال التابعة للحرس الوطني بالعوينة. وكانت وثيقة الاستدعاء، الصادرة يوم 23 أفريل، قد حددت يوم 24 أفريل على الساعة التاسعة صباحاً موعداً للاستماع إلى أقواله بصفته « ذي شبهة » مع إعلامه بحقه في حضور محام.

بعد عملية الاستماع، أحيل الصحفي على النيابة العمومية التي طلبت الاحتفاظ به على ذمة الأبحاث، ولم تصدر بعد أي تعليقات رسمية من قبل وزارة الداخلية أو النيابة العمومية توضح فيها التهم المسندة بدقة، غير أن مصادر قضائية تشير إلى أن المنسوب إليه يتعلق بنشر « معلومات كاذبة » أو « المس بسلطة القضاء » بموجب أحكام القانون الأساسي عدد 54 لسنة 2022 المتعلق بمكافحة الجرائم المتصلة بتكنولوجيا المعلومات والاتصال.
مضمون التدوينة المنسوب إلى الصحفي
تعود حيثيات القضية إلى تدوينة نشرها زياد الهاني على صفحته بموقع فايسبوك، قال فيها إنه كان قد حضر الندوة العلمية التي نظمتها وحدة البحث في العلوم الجزائية وعلم الإجرام بكلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس، بالاشتراك مع الجامعة المركزية الخاصة، تحت عنوان « مبدأ البراءة، مبدأ تأصيلي ». وأوضح أنه عقب مداخلة للقاضي الرئيس السابق علي قيڤة، المعنونة « مبدأ البراءة وحماية مصادر الصحفي »، والتي علّق فيها على قرار استئنافي صادر عن محكمة الاستئناف بتونس – القطب القضائي لمكافحة الإرهاب بتاريخ 6 جانفي 2025، كانت له مداخلة تحت عنوان: « ضحيتهم الصحفي خليفة القاسمي وضابط بالحرس الوطني: قضاة.. لكنهم مجرمون ».
وفي تدوينته، استعاد الصحفي تفاصيل قضية تعود إلى سنوات سابقة، تعلق بالصحفي خليفة القاسمي مراسل إذاعة « موزاييك أف أم » في القيروان، والرائد الراحل عبد العزيز الشامخي، ضابط بفرقة مقاومة الإرهاب بالحرس الوطني. وقد حوكم الرجلان استناداً إلى الفصل 62 من قانون مكافحة الإرهاب الذي يعاقب بالسجن مدة عشرة أعوام كل من يفشي عمداً معلومات تتعلق بعمليات الاعتراض أو الاختراق أو المراقبة السمعية البصرية. وأشار الهاني إلى أن الصحفي قضى ثلاث سنوات ونصف في السجن، وأن الرائد الشامخي توفي أثناء فترة اعتقاله، لتعيد محكمة التعقيب الملف إلى محكمة الاستئناف التي أصدرت هيئة جديدة منها حكماً بتبرئتهما، بعد أن تأكد لديها عدم وجود عملية اختراق ولا عملية اعتراض، وبالتالي عدم وجود جريمة.
هل تذكرون قضية الصحفي خليفة الڤاسمي مراسل "موزاييك آف آم" في القيروان الذي تمّت محاكمته في قضية إرهابية مع ضابط في فرقة…
Publiée par Zied El-Heni sur Vendredi 17 avril 2026
خلفية القضية المرجعية (قضية خليفة القاسمي والرائد عبد العزيز الشامخي)
شكّلت قضية خليفة القاسمي والرائد عبد العزيز الشامخي، خلال السنوات الماضية، واحدة من أكثر الملفات إثارة للجدل في تونس، حيث جمعت بين مكافحة الإرهاب وحماية مصادر الصحفيين ومدى تجريم إفشاء المعلومات ذات الصلة بالعمليات الأمنية. وقد انطلقت القضية بعد أن أدلى الصحفي بمعلومات حول نجاح فرقة مقاومة الإرهاب في الإطاحة بشبكة إرهابية، بناءً على معطيات حصل عليها من الضابط ذاته.
في مرحلة أولى، صدر حكم ابتدائي يقضي بسجن القاسمي خمس سنوات والشامخي عشر سنوات، قبل أن يتوفى الشامخي في السجن سنة 2021، وفق ما تم تداوله إعلامياً، وسط اتهامات لعائلته بأن وفاته جاءت « قهراً وكمداً » من الظلم الذي تسلط عليه، دون أن يصدر تقرير طبي رسمي نهائي يؤكد أو ينفي هذه الفرضية. بعد الطعن بالتعقيب، أحالت محكمة التعقيب الملف على محكمة الاستئناف لتنظر فيه بهيئة جديدة، فأصدرت الأخيرة بتاريخ 6 جانفي 2025 حكماً بتبرئة الرجلين، مؤسسة حكمها على أن عدم وجود عملية اختراق أو اعتراض حقيقيين يعني أن وصف « المعلومة السرية » لا ينطبق على الوقائع، وبالتالي فإن جريمة إفشاء المعلومات المتعلقة بالعمليات الأمنية لم تتحقق أركانها.
السياق القانوني والصحفي في تونس
تأتي هذه القضية في سياق قانوني يتسم بتشريعات متعددة تنظم حرية التعبير والعقوبات المتعلقة بالمحتوى المنشور على شبكات التواصل الاجتماعي. فإلى جانب قانون مكافحة الإرهاب الذي يتضمن فصلاً 62 المذكور، صادقت تونس في سنة 2022 على القانون الأساسي عدد 54 المتعلق بمكافحة الجرائم المتصلة بتكنولوجيا المعلومات والاتصال، الذي يعاقب بالحبس والغرامة كل من ينشر « أنباء وبيانات ومعلومات كاذبة أو عمداً من شأنها إلحاق الضرر بالأمن العام أو بالدفاع الوطني » أو من « يتعمد الإسادة إلى الغير بواسطة الشبكات العمومية للاتصال بما من شأنه الإضرار بغير أو ترويج مغالطات ».
وتتعدد في السنوات الأخيرة حالات متابعة صحفيين ونشطاء على مواقع التواصل بتهم مشابهة، وسط جدل بين من يعتبر أن هذه المتابعات تحد من حرية النقد وتمثل « عودة لمنطق القمع ».