الرئيسية A la une حج الغريبة يستعيد أنفاسه في جربة… عودة حذرة بعد جراح 2023

حج الغريبة يستعيد أنفاسه في جربة… عودة حذرة بعد جراح 2023

Jewish pilgrims take part in a procession as they attend an annual pilgrimage at the Ghriba synagogue in the resort of Djerba, Tunisia, on Monday, May 4, 2026. (AP Photo/Bassem Aouini)

نحو 500 حاج يهودي توافدوا على جزيرة جربة التونسية بين الثلاثين من أفريل والسادس من ماي الجاري، للمشاركة في الحج اليهودي السنوي إلى كنيس الغريبة العريق الذي يمتد تاريخه لستة وعشرين قرناً. جاء هذا التجمع هذه السنة متواضعاً في أعداده لكن ثقيلاً في دلالاته، إذ يأتي بعد ثلاثة أعوام من الهجوم المسلح الذي أودى بحياة خمسة أشخاص عام 2023 على بُعد أمتار من الكنيس ذاته، وسط إجراءات أمنية مشددة أعادت بعض الطمأنينة إلى قلوب الحجاج القادمين من فرنسا وإيطاليا والصين وكوت ديفوار.

عودة موسومة بالرمز والحذر

لم يكن حضور سفير فرنسا لدى تونس بين صفوف الحجاج تفصيلاً عابراً. فقد راح مواطنان فرنسيان ضحيتَي الهجوم الإرهابي في ماي 2023، حيث تمّ أطلاق النار بشكل عشوائي على الحشود عقب انتهاء احتفالات الحج، مخلّفاً خمسة قتلى بينهم ثلاثة من قوات الأمن. كانت تلك الجريمة قد ألقت بظلالها الثقيلة على صورة تونس في الخارج، وأثارت موجة من القلق في أوساط الجالية اليهودية التونسية في الخارج.

داخل الكنيس، كان المشهد مغايراً تماماً. أضاء الحجاج الشموع وتلوا النصوص المقدسة، وكتبوا أمانيهم على بيضات وُضعت لاحقاً في كهف مقدس داخل الموقع، وفق تقليد متوارث يُعتقد أنه يجلب البركة.

ومن بين الحاضرين ريدج كاهن، الحاج التونسي الإيطالي الذي غاب عام 2024 وعاد هذه السنة بحمولة من المشاعر: « نحن عدنا، ونفخر بأننا يهود تونسيون. إنه إحساس لا يمكن وصفه، فقط من يأتي إلى هنا يفهمه. »

المنارة تعود إلى الشارع

الحدث الأبرز في هذه الدورة كان عودة موكب « المنارة » للمرة الأولى منذ هجوم 2023، وهو ما فُسِّر على نطاق واسع بوصفه إشارة إلى انفراج أمني حذر. هذا البرج الهرمي المصنوع من الذهب والفضة يوضع في قلب الكنيس، فتتسابق النساء على تغطيته بأوشحة ملونة في طقس يرمز إلى الحظ الحسن والخصوبة والزواج. تعقب ذلك مزادات رمزية لوحات ومقتنيات دينية تُجمع عائداتها لصالح صيانة الكنيس، قبل أن تُحمل المنارة المزيَّنة على عجلة وتُجال في شوارع الحي على أنغام الدربوكة ووابل من الحلوى، لتعود في النهاية إلى مكانها داخل الكنيس في ختام إحدى أعرق تقاليد الاحتفال.

في المقابل، ظل الحضور الأمني محسوساً وإن كان منضبطاً. نُصبت نقاط تفتيش على مداخل الجزيرة، وجرى تفتيش المركبات والتحقق من وثائق الهوية بدقة. وعلى مستوى الجزيرة، تمركزت قوات إضافية في حومة السوق والحارة الكبيرة، الحيَّين الرئيسيَّين للجالية اليهودية في جربة.

جربة وعبء الذاكرة

لا يمكن قراءة حج الغريبة بمعزل عن تاريخه الطويل والمُثقل في بعض محطاته بالجراح. فقد عرف هذا الموقع في أفريل 2002 أحد أسوأ الاعتداءات الإرهابية في تاريخ تونس، حين استهدف ارهابي انتحاري تابع لتنظيم القاعدة الكنيسَ بشاحنة مفخخة، مما أسفر عن مقتل نحو عشرين شخصاً أغلبهم سياح ألمان. ثم جاء هجوم 2023 ليفتح جرحاً جديداً، مما أدى إلى تراجع حاد في أعداد الحجاج، بعد أن كان التجمع يستقطب آلاف الزوار سنوياً من شتى أنحاء العالم.

اليهود في تونس ليسوا طارئين على هذه الأرض؛ وجودهم يمتد إلى الحقبة الرومانية. وقد شكّلوا على مر القرون جزءاً عضوياً من النسيج الاجتماعي التونسي، وإن تقلص عددهم بشكل ملحوظ جراء موجات الهجرة المتتالية نحو إسرائيل وفرنسا والدول الغربية منذ منتصف القرن الماضي. اليوم، لا تتجاوز الجالية اليهودية في تونس بضعة آلاف من الأشخاص، يتمركز معظمهم في جربة وتونس العاصمة.

يظل حج الغريبة، رغم كل شيء، فضاءً فريداً للتعايش؛ إذ دأب على استقطاب زوار مسلمين إلى جانب الحجاج اليهود، في مشهد جعل منه سنوات طويلة رمزاً للانفتاح الديني التونسي تستثمره السلطات بوصفه نموذجاً للتسامح.

رينيه طرابلسي، الوزير السابق للسياحة وأحد أبرز وجوه الجالية اليهودية التونسية، وصف هذه الدورة بأنها « عودة تدريجية »، مشيراً إلى أن السلطات التونسية أصرّت على إبقاء الحج رغم كل التحديات، لما يمثله من رافد اقتصادي مهم للجزيرة وما يحمله من قيمة رمزية لا تُقدَّر.

خذير هنية، العامل في خدمة الكنيس منذ أكثر من ثلاثة عقود، عبّر بدوره عن أمنية يختزنها كثيرون: « نريد أن نعكس صورة حسنة للعالم، أن نعيد لغريبة مجدها ونتجاوزه. » وفي السياق ذاته، قال حاييم حداد، عضو لجنة تنظيم الحج من مدينة جرجيس: « نحن نقف من أجل بلدنا. نحبّ تونس كثيراً، وكما وقف بلدنا معنا، سنقف نحن معه دائماً. »

خمسمائة حاج هذا العام، في مقابل آلاف كانت تعرفهم الغريبة في عزّ ازدهارها. الفارق في الأرقام ليس مجرد إحصاء، بل هو مقياس دقيق لعمق الهشاشة التي تعيشها هذه التجربة الإنسانية الاستثنائية. السؤال المطروح على تونس اليوم لا يتعلق فحسب بالقدرة على ضمان الأمن، بل أيضاً بمدى قدرتها على إعادة بناء الثقة مع ذاكرة جماعية جرحتها طعنات متكررة.

تقرير: أب AP

Quitter la version mobile