
في كل مرة يعلن فيها عن وقف لإطلاق النار في الشرق الأوسط، يستقبل الخبر بقدر من الارتياح المشوب بالحذر. هذا ما حدث مجددا مع التهدئة المعلنة بين ايران و الولايات المتحدة، والتي بدت للوهلة الأولى وكأنها خطوة نحو احتواء التصعيد. غير أن القراءة المتأنية للسياق تكشف أن ما يجري ليس أكثر من هدنة اضطرارية، فرضتها حسابات اللحظة، لا قناعة حقيقية بضرورة إنهاء الصراع.
المشكلة الأساسية في هذه الهدنة أنها لا تمس جوهر الأزمة. فملفات مثل النفوذ الإقليمي، والبرنامج النووي، والقواعد الأمريكية في المنطقة، فضلا عن شبكة التعقيدات المرتبطة بحلفاء الطرفين، وخاصة دور اسرائيل في المعادلة الأمنية، لا تزال عالقة دون أي إطار واضح للحل. وهذا ما يجعل التهدئة أقرب إلى “تعليق مؤقت للقتال” بدل أن تكون بداية لمسار سياسي جدي. الأخطر من ذلك أن هذه الهدنة لا تشمل جميع الساحات، إذ بقيت جبهات مثل لبنان خارجها، واستمرت الضربات في بيروت، ما يكشف أن المنطقة لا تعيش حربا واحدة، بل شبكة متداخلة من الصراعات.
هذا النمط ليس جديدا، بل يكاد يكون القاعدة في تاريخ المنطقة الحديث. ففي حرب تموز (جويلية) 2006، انتهت المواجهة بين اسرائيل وحزب الله بوقف لإطلاق النار، لكنه لم يؤسس لسلام دائم، بل أبقى التوتر قائما، لينفجر في أشكال مختلفة لاحقا. المشهد نفسه تكرر مرارا في غزة، حيث أصبحت الهدن بين اسرائيل وحماس جزءا من دورة متكررة: تصعيد، فتهدئة، ثم عودة إلى التصعيد.
ما تكشفه هذه السوابق هو أن الهدن في الشرق الأوسط نادرا ما تكون نهاية للصراع، بل غالبا ما تكون آلية لإدارته. فالأطراف المتنازعة لا تلجأ إلى وقف إطلاق النار لأنها حسمت خلافاتها، بل لأنها بلغت لحظة تحتاج فيها إلى التقاط الأنفاس: إعادة ترتيب القدرات العسكرية، تخفيف الضغط الداخلي، أو الاستجابة لضغوط دولية. وهنا تتحول الهدنة إلى أداة تكتيكية، لا خطوة استراتيجية.
يزداد الوضع تعقيدا عندما نأخذ في الاعتبار طبيعة الصراعات في المنطقة، التي لا تدار بين طرفين فقط، بل ضمن شبكة من الفاعلين الإقليميين. فالتوتر بين ايران و الولايات المتحدة لا يمكن فصله عن دور اسرائبل، ولا عن الساحات المرتبطة به مثل لبنان وغزة. في مثل هذا السياق، يصبح أي اتفاق ثنائي بطبيعته ناقصا، لأن أطرافا أخرى قد لا تكون معنية به، أو قد ترى في استمرارية التصعيد مصلحة لها.
وهنا تحديدا تتجلى خطورة ما يمكن تسميته بـ“الهدن المجتزأة”. فعندما تتوقف العمليات في جبهة، لا يعني ذلك نهاية الصراع، بل قد يعني ببساطة انتقاله إلى جبهة أخرى. ما يحدث في بيروت في ظل الحديث عن التهدئة مثال واضح على ذلك: خفض التصعيد في مكان يقابله تصعيد في مكان آخر. وبهذا المعنى، لا تطفأ النار، بل يعاد توزيعها.
ورغم كل ذلك، لا يمكن إنكار أن هذه الهدن تلعب دورا مهما، ولو مؤقتا. فهي تمنع الانزلاق إلى مواجهة شاملة، وتمنح الأطراف فرصة لتقييم مواقفها. كما أن كلفة الحرب، خاصة في ظل الترابط الاقتصادي العالمي، تجعل من التصعيد المفتوح خيارا مكلفا للجميع. لذلك، قد تصمد هذه التهدئة لفترة قصيرة، ليس لأنها قوية، بل لأن البديل أكثر خطورة. لكن المشكلة تبقى في غياب أفق سياسي واضح. فالتجارب، سواء في المنطقة أو خارجها، تظهر أن وقف إطلاق النار لا يتحول إلى سلام إلا عندما يكون جزءا من عملية سياسية تعالج جذور الصراع. دون ذلك، تبقى الهدنة مجرد فاصل زمني بين جولتين من المواجهة.
السؤال لم يعد ما إذا كانت هذه الهدنة ستصمد، بل إلى متى يمكن أن تستمر قبل أن تتآكل من الداخل تحت ضغط الوقائع الميدانية. فالتجارب السابقة تظهر أن مثل هذه التفاهمات لا تنهار بقرار مفاجئ، بل عبر سلسلة من الخروقات الصغيرة التي تتراكم تدريجيا إلى أن تفقد الهدنة معناها. ومع بقاء جبهات مفتوحة مثل لبنان، واستمرار الاحتكاك غير المباشر بين ايران واسرئيل، يصبح استمرار التهدئة أشبه بمحاولة ضبط ميزان حساس في بيئة لا تعرف الاستقرار.
لكن السؤال الأعمق والأكثر إيلاما هو: إلى متى سنظل ننتظر خبرا عن اتفاق نهائي ينهي الحرب من جذورها؟ هنا نصطدم بواقع يتجاوز السياسة نفسها. فالمسألة لا ترتبط فقط بالكيانات الحديثة أو بصراعات النفوذ المعاصرة، بل تمتد إلى طبيعة التاريخ البشري ذاته. فمنذ أن وطأت قدم الإنسان هذه الأرض، والصراع حاضر بأشكال مختلفة؛ يتغير شكله، تتبدل شعاراته، لكنه لا يختفي.
غير أن خصوصية هذه المنطقة تكمن في أنها لم تكن يوما هامشاا في التاريخ، بل كانت دائما في قلبه؛ ملتقى حضارات، ومسرحا لتقاطع المصالح، ومجالا تتداخل فيه الجغرافيا مع الدين والسياسة. ولهذا، تبدو صراعاتها أكثر كثافة وتعقيدًا، وكأنها تختصرتاريخًا أطول من النزاع البشري. ومع ذلك، فإن الإقرار بقدم الصراع لا يعني التسليم بحتميته. فالتاريخ، رغم قسوته، ليس خطاا مستقيما، بل مسار قابل للتغيير. لكن هذا التغيير لا تصنعه الهدن المؤقتة، بل إرادات سياسية قادرة على كسر الحلقة، والانتقال من إدارة الصراع إلى حله. وحتى يحدث ذلك، ستظل المنطقة عالقة بين هدنة مؤقتة وحرب مؤجلة، في انتظار لحظة نادرة قد تعيد تعريف علاقتها بذاتها وبالعالم.
في النهاية، ما نشهده اليوم ليس خروجا عن المألوف، بل استمرار لنمط متكرر: حروب لا تنتهي، وهدن لا تدوم. وبين هذا وذاك، تعيش المنطقة حالة من “اللا حرب واللا سلم”، حيث لا يوجد استقرار حقيقي، بل توازن هش قابل للانهيار في أي لحظة. وربما لهذا السبب تحديدا، لا يبدو السؤال المطروح هو متى تنتهي هذه الحرب، بل متى نكسر هذا النمط نفسه.
الباحث مسعود الحفناوي
خبير وباحث في الحرية الدينية
world
Uncategorized



