بعدما امتلكت إيران العدة التكنولوجية والموارد البشرية المواتية للدخول إلى نادي الدول النووية ها هي توقع مع هذه الدول -الغربية بالأساس- على صفقة تاريخية تلتزم بموجبها بعدم اتخاذ القرار السياسي المؤدي إلى صنع القنبلة النووية، مقابل التزام الطرف الآخر بإرساء علاقات سلمية معها والاعتراف بدورها الإقليمي في ترتيب السياسة الدولية. إن ما يهم العرب في هذا الحدث الفارق في تاريخ المنطقة ليس ما يمكن أن يترتب عنه من نتائج، بعضها معلوم وبعضها مازال في حكم المجهول المحتمل، بقدر ما يتعلق بالمسار التاريخي الطويل نسبيا الذي قطعته إيران كي تبلغ هذه المرحلة في التعامل مع ذاتها ومع الآخر. يهدف هذا التحليل إلى مقاربة هذا المسار بموضوعية، بأدوات علم الاجتماع والتاريخ والأنثروبولوجيا السياسية، كي يعطي العرب لأنفسهم مساحة من التفكير والنظر والتحقيق في ذاتهم وفي إيران قبل التوغل في مجاهل المواقف المرتجلة إن لم يكن قد فات الأوان.
بقلم: مولدي الأحمر
بحسب التصنيفات التي وضعها مؤرخون عالميون بارزون من أمثال بارنغتون مور، جرى دخول الأمم والشعوب إلى العالم الحديث، عالم الصناعة والعلوم المخبرية والسوق والتنظيم البيروقراطي للسلطة (هناك مجتمعات شرقية وإفريقية مازالت واقفة على باب هذا العالم إلى اليوم)، من مدخلين: الدكتاتورية (الاقطاعية-العسكرية أو البروليتارية الاشتراكية) أو الديمقراطية البرجوازية الليبرالية. وبحسب التجارب التاريخية تفككت أوصال الدكتاتوريات سياسيا وثقافيا لصالح الديمقراطية اللبرالية بقدر ما أُنجز في ظلها من تقدم نحو تحقيق خصائص العصر الحديث بالمعنى الذي تقدم.
السؤال الذي يمكن طرحه من هذا المنظور هو أين موقع التجربة الإيرانية الحالية في هذا التصنيف، وما هي التوجهات المستقبلية لهذا البلد في محيطه الإقليمي؟
لم تدخل يران في هكذا مسار بعد الثورة في نهاية السبعينيات من القرن الماضي، فنظام الشاه الاستبدادي الذي كان خاضعا بقوة لمشيئة القوى الاستعمارية لم يكن يخلو من نفس الطموح، ولكن دون أن تكون له الوسيلة الخاصة والمميزة. الجديد إذن في حالة إيران هو أن تحقيق نقلة نوعية حقيقية في الاتجاه الذي نتحدث عنه، وبطريقة مستقلة نسبيا، صار رهانا إيرانيا حقيقيا منذ أن خلعوا نظام الشاه.
هل النظام الاقتصادي الإيراني اشتراكي؟ الإيرانيون لا يطرحون هذا السؤال، والاشتراكية بمفهومها السوفياتي انهارت منذ أكثر من عشرين سنة، بل أن الصينيين يضحكون اليوم على من يتحدث عن الاقتصاد الاشتراكي الصيني. هل هو ليبرالي؟ في هذا الشأن يقول الإيرانيون أن الرأسمالية تقوم على البنوك الربوية، والربى يحرمه الإسلام وهم بناة مجتمع إسلامي لكن دون النجاح في تعريفه بشكل أصيل لأنهم يفتقدون ذلك. هل النظام السياسي الإيراني الذي يقول بولاية الفقيه نظام لبرالي ديمقراطي؟ يقول الإيرانيون المحافظون بخصوص هذه المسألة أن الفقيه الولي منتخب ويمكن عزله –وهذه كما نعرف مسألة نظرية فحسب- وأن الديمقراطية بمفهومها ومثالها الغربي مزيفة لأنها تسمح باسم الحرية الفردية بممارسة سلوكات يحرمها الدين ولا تحترم إنسانية الإنسان. هل وجد الإيرانيون طريقا جديدا؟ يجيب الإيرانيون على هذا السؤال بالقول بأن بديلهم « نموذج إسلامي » مبتكر هم بصدد تحقيقه، لكنهم لا يقدمون له تعريفا إلا عبر الخطابة الكلامية، ولا يناقشون قاعدته الأنثروبولوجية التي تتعارض مع الكونية الإسلامية الداخلية أولا والكونية العامة ثانية.
الاستعمار والتحديث ومعركة « النموذج الإسلامي » الأصيل للعيش
كل من يقابل اليوم شخصيات إيرانية معتبرة في العلوم الدينية أو في السياسة لا يسمع منها إلا عبارات الرفض والاستهجان لنموذج العيش الغربي، والمقصود هنا هو النموذج الثقافي- وليس الانجازات العلمية والتقنية والمؤسساتية. وفي الحقيقة ليس هذا مشكلة إيرانية خاصة لأن معظم رواد النهضة الإسلامية كانوا منذ القرن 19 يدعون إلى العودة إلى الإسلام – ويعرفونه برؤى مختلفة- سواء من خلال الاستئناس به كما يقول المعتدلون، أو بتطبيقه بحذافيره كما يشدد على ذلك المتشددون. ورغم أن التشدد الديني ليس وليد هذا العصر إلا أن استعمار الشعوب الاسلامية والتحولات الاجتماعية-الثقافية التي تعرفها هذه الشعوب حاليا قد أعطيا للظاهرة أبعادا جديدة.
لكن ماذا فعل التأثير الأجنبي والتحديث الاجتماعي-الثقافي بالبنى الاجتماعية للمجموعات العرقية والمذهبية التي كانت تنضوي – بشكل ضعيف ومضطرب- تحت راية ما أصبح يعرف اليوم بإيران الحديثة؟ وماذا فعل بثقافتها الاسلامية؟ في الواقع لم تعرف إيران تجربة استعمارية عميقة كتلك التي عرفتها البلاد المغاربية على سبيل المثال، والتحديث القسري الحقيقي على الطريقة الغربية الذي خضعت له القرى والأرياف ومؤسسات التعليم التقليدية الإيرانية جرت في القرن العشرين بأيدي نظام إيراني مدعوم من الخارج.
ليست هذه الجزئية بسيطة، فالتحديث القوي الذي قامت به القوى الاستعمارية الكبرى في أماكن أخرى من العالم الإسلامي خلق علاقة مزدوجة بين الشعوب المحلية والمستعمر، أهم مميزاتها الانبهار بالقوة الحربية وبالسطوة العلمية والتقنية والثقافية للمستعمر من جهة، والعزم على المقاومة والتحرر من الذلة والهوان من جهة أخرى، وقد انتهت هذه المعادلة بهزيمة المستعمر السياسية لكن مع تأثر كبير بنموذجه الثقافي. أما في إيران فقد تسللت الثقافة الغربية إلى مفاصل الثقافة المحلية بتخطيط وتنفيذ من نظام الشاه والنخب التي كانت تسنده برعاية غربية. ولهذا السبب فإن من عارض ثقافيا هذا المشروع، باسم « الشعب المظلوم والمستضعف »، لم تكن سوى تلك الفئة من المثقفين المتدينين الإسلاميين التي يوجد رأس هرمها العلمي والتنظيمي في قم بينما تنتشر قاعدتها في الأرياف والقرى والمدن الدينية وحتى في عاصمة الشاه نفسه. من هم أعضاء هذه الفئة؟ إنهم كبار علماء قم في المركز و طلبة الحوزات والأيمة والدعاة في المناطق الداخلية، أولائك الذين يطلبهم الناس لقراءة القرآن وتنظيم مجالس العزاء. وهناك يستذكرون محنة أيمتهم الأوائل في الدين والعلم والسياسة، وينشطون مجمل العلاقات الاجتماعية التقليدية التي تجمع الأقرباء والجيران والأصدقاء، ويحثون على التمسك بالدين الذي يرون أنه مهدد بالنموذج الثقافي الذي يريد نظام الشاه نشره، ذلك النظام الذي لم تكن له قاعدة شعبية عريضة تقبل بذلك، ولم يوفر له نظامه الاستبدادي واستكباره –كما يقول علماء وأيمة المعارضة- الشرعية السياسية اللازمة.
لم تكن المعركة ضد الاستبداد مقتصرة على الفئة الدينية، رغم أن الكثير من أعضائها كان من الشرائح الاجتماعية المتوسطة والعليا. فقد كان هناك أيضا الشيوعيون والديمقراطيون الحداثيون. بيد أن الفكر الماركسي لم ينجح في الدخول إلى تفاصيل بيوت الفلاحين والفقراء والمحرومين من سكان الأرياف والمدن، في حين كان الديمقراطيون الوطنيون من أنصار تجربة مصدق يتقاطعون في مرجعياتهم الثقافية مع النموذج الذي كان الشاه يعمل على فرضه، مقتديا في ذلك بكمال أتاتورك رغم أنه يفتقر إلى شرعيته النضالية و زعامته الراديكالية.
ماذا كانت ميزة رجال الدين في هذه المعركة؟ الميزة الأولى أنهم كانوا قريبين من الناس بحكم مشاركتهم أفراحهم وأتراحهم عبر إقامة الشعائر الشيعية المفعمة بالمشاعر الدينية الجياشة. الميزة الثانية -وهي ربما الأهم- أنهم احتكروا استخدام الرموز الثقافية المتغلغلة في ذاكرة ووجدان الشعب، بهدف مقاومة الاستبداد واللامساواة الاجتماعية، التي مثًل بذخ واستخفاف الشاه بمصالح الناس وبرموزهم الثقافية أهم تجسداتها. وبالنسبة لرجال الدين، من الذين كانوا في صف مقاومة نظام الشاه (لأن هناك منهم من كان معه)، كانت معاداة النموذج الغربي للحداثة، بمعناها الثقافي، هي عنوان المعركة.
الجواب الإيراني على السؤال الثقافي
خلال زيارة أكاديمية إلى إيران في نهاية سنة 2011، استمعت في ثلاث مناسبات إلى شخصيات إيرانية بارزة تحدثت عن البديل الإيراني للنموذج الغربي، وخلال طرحهم للمسألة كانت العبارة المفتاح التي تتخلل حديثهم هي ضرورة إنتاج « أسلوب إسلامي أصيل للعيش » Islamic Life Style ». وهم يقولون إن قوة الغرب تكمن في نجاحه في تطوير أسلوب محدد للعيش، ثم فرضه على الآخرين الذين يُجبرون بطرق مختلفة على التخلي عن ثقافتهم الأصلية، والسقوط تحت تأثير مستعمريهم ثم الذوبان في النهاية في نموذجهم، وهذا ما يحرمهم لاحقا من المشاركة بتميز في صناعة الحياة الانسانية على الأرض انطلاقا من مرجعياتهم الخاصة، ويساعد أعداءهم على مواصلة هيمنتهم عليهم.
إن هذا التحليل العميق، الذي يستحق نقاشا لا يقل عمقا بسبب إغراقه في المحلية، ليس اكتشافا إيرانيا خاصا، فالفكرة تتجول بأشكال مختلفة وبطرق تارة راديكالية وأخرى متسامحة في العالم الإسلامي وخارجه منذ فترة طويلة. لكن ما يميز الإيرانيين هو أنهم يحاولون توليدها محليا من منظومة فكرية إسلامية ذات ميزات خاصة هي المنظومة الشيعية. والطريف في الأمر أن المنظومة الشيعية لم تولد تاريخيا كرد فعل على النموذج الغربي، ولم تكن مصممة إبان صعودها التاريخي في إيران للرد على الغرب الذي لم يكن موجودا في ذلك الوقت. لقد طور رجال الدين الشيعة حديثا الفكر الشيعي التقليدي في سياق معركتهم الثقافية السياسية ضد نظام الشاه، وكان النموذج الاجتماعي الذي أراد هذا الأخير فرضه على المجتمع يهدد في الصميم دورهم في الإرشاد الديني، وحتى في إدارة الشؤون الدنيوية للمؤمنين التي تترتب عنها عمليا مصالح متنوعة.
في البداية طور رجال الدين المنظومة الفكرية الشيعية « الحديثة » في إطار معركتهم من أجل إسقاط نظام الشاه، لكن ممارسة الحكم طرحت عليهم شيئا فشيئا مشكل فعالية بديلهم السياسي-الثقافي الذي يقولون أن أصوله موجودة في فكر الإمام الخميني الزعيم التاريخي للثورة الإيرانية.
سنعود في الفقرات اللاحقة إلى القيمة العملية لهذا الطرح، لكن السؤال الآن هو ما إذا كان هناك اليوم أثر على الأرض للأسلوب الإسلامي في العيش الذي يقول الإيرانيون أنه أحد رهاناتهم الأكثر جدية؟
ليس من السهل الإجابة على هذا السؤال بشكل موضوعي من خلال زيارة قصيرة منظمة بإحكام ومراقبة بشكل لصيق إلى بعض المؤسسات الأكاديمية، أو من خلال لقاءات خاطفة بمتنفذين في الحقل الديني والثقافي الإيراني. لكن الذي يبرز للعيان في هذه الفضاءات بالتحديد هو نجاح الإيرانيين في إرساء ثلاثة تقاليد يجنون الآن ثمارها في حقول أخرى تتعلق بالسيادة والمناعة السياسية وهي: تقديس العمل، والثقة بالنفس، وبناء الأسس المواتية لتحقيق الأهداف المرسومة.
في موضوع تقديس العمل والعلم والتفاني فيهما، يراه الزائر في التقدير الكبير والفعلي الذي يكنه رجال الدين المتنفذين لكل من يخدم العلم والمعرفة من المنظور الذي يرونه صحيحا. قد يبدو هذا الشاهد ضعيفا لمن اعتاد على عدم تقديس العلم والعمل وعدم احترام أهلهما، بل وعلى إهمال الجامعة التي تعتقد النخبة الحاكمة في كثير من البلاد العربية أنها غير ذات شأن، لأنها لا تنفع كثيرا في الحصول على المناصب العليا والنافذة في الدولة. أما في إيران فإن كل من خدم البلد بالقلم أو بالروح وفق المبادئ المتبعة، فهو في عيني وذاكرة الإيرانيين التي تعلمت أن لا تنسى. ففي مدخل ربما أعظم مكتبة مخطوطات في الشرق الأوسط تقع في قم – تضم أزيد من 45 ألف مخطوط أكثر من نصفها باللغة العربية- يرقد عالم جليل من أصل عراقي في قبره الذي يحيط به من كل جانب سياج جميل، يتعلق به الداخلون والخارجون ترحما عليه وطلبا لبركته. ما هي مزية هذا العالم على أهل العلم والمعرفة وفي نهاية الأمر على الثقافة الإيرانية؟ بحسب الروايات المناقبية المحلية جمع هذا الرجل بمفرده، طيلة أزيد من نصف قرن، أكثر من 35 ألفا من هذه المخطوطات، وكان -بحسب الإيرانيين- يجمعها بالمال الذي يحصل عليه من قراءة القرآن وإقامة مجالس العزاء والتدريس والمساعدات. لقد كان هذا العالم الفذ يقدم شراء المخطوطات على كل شيء حتى على الحج، ومات دون أن يحقق أمنيته في زيارة بيت الله. ليس الرجل وليا صالحا بالمعنى الذي يعطيه المغاربة للكلمة، ولكن في الوقت الذي كنت أرى فيه الزائرين للمكتبة يتبركون به كما لو كان الأمر كذلك، كان « سدنة المكتبة » يرفعون صاحبهم إلى أعلى مراتب الشرف العلمي والإنساني –وهم في ذلك على حق- ويؤلفون له المناقب، تماما كما كان أهل المغرب يفعلون بأولياءهم الصالحين أيام لم يكن لهم من ملاذ في الشدائد سواهم. وعندما تزور جامعة إيرانية مثل جامعة الإمام الصادق لا يمكنك –بقطع النظر عن توجهاتك الفكرية- إلا أن تنحني تقديرا لمن فكر وعزم وخطط واختار المكان ونفذ وتعهد المؤسسة بالمتابعة، إدارة وترتيبا وسهرا على إعلاء شأن علومها وأساتذتها وطلبتها: عندما استقبلنا نائب رئيس الجامعة بباب المؤسسة عدد لنا بفخر –على الطريقة الأمريكية- كم من مسؤول رفيع اليوم في الدولة الإيرانية أنتجته جامعتهم.
مشاكل الإثني والديني والكوني في المشروع الإيراني
ذات يوم من أيام زيارتنا إلى إيران قدم لنا أحدهم محاضرة طويلة، غاية في الثراء والتعقيد، موضوعها كيف يخطط الإيرانيون للمستقبل. وخلال عرضه أثار المحاضر فكرة « الأسلوب الإسلامي الأصيل للعيش » الذي يحاول الإيرانيون بناءه وتقديمه للعالم كبديل عن الأسلوب الغربي. و »أسلوب الحياة » الذي يتحدث عنه المحاضر لا يتعلق بسلوكات الأكل والشرب والنوم والكلام والمشي واللباس والضحك والحب، بل بصناعة الأفكار ذاتها. وكمثال على ذلك قدم جدولا يختزل « النظرية الإسلامية » في التعرف على المكونات السيكولوجية للنفس البشرية، فيها تحد للتقسيم الذي يقيمه « الغرب » بين الروح والجسد. ليس هذا هو المكان المواتي لمناقشة أفكار المحاضر الذي لم يكن يساوره أي أدنى شك في صحة الطرح الذي قدمه، وهذا ما كان يطرح مخاوف عدة، ويثير دهشة علماء النفس التونسيين الذين كانوا ضمن الوفد، لكن نفس الفكرة عادت مرة ثانية في محاضرة مختلفة قدمها محاضر آخر في مؤسسة تهتم بالعلوم الدينية، موضوعها هذه المرة علاقة إيران بالعالم الخارجي من الناحية السياسية والثقافية. والفكرة الأساسية التي دافع عنها المحاضر هي أن إيران تبني تصورا إسلاميا مستقلا لكيفية بناء العلوم، بل ولكيفية بناء الحضارة الانسانية عموما، وهي تأمل أن يصبح مرجعية للمسلمين.
ما المهم في هذه الفكرة؟ جرأتها فحسب. فرغم أن المحاضر قد وُوجه بسؤال مزعج يتعلق بالمسافة الأنثروبولوجية-الثقافية والسياسية الحقيقية التي تفصل بين من جهة إيران الرسمية الشيعية ومجتمعها المتنوع الأعراق والأديان والطموحات، ومن جهة ثانية إيران وبقية العالم الإسلامي، وفي نهاية الأمر مجمل المجتمعات البشرية، إلا أنه ظل –رغم ارتباكه في حل المشكلة – شديد الاقتناع بالفكرة التي يدافع عنها من حيث المبدأ، ويأمل دائما في تجاوز عقباتها ضمن استراتيجية عمل واعية.
نحن وإيران وموقعها الإقليمي الجديد
تُقيم النظم السياسية اليوم من خلال أدائها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، ومن منظور قدرتها على تجسيد جملة من المواصفات التي أصبحت اليوم كونية تتعلق بالديمقراطية وبحقوق الانسان. لكن التجربة الإيرانية تثير مشاكل غاية في التعقيد والخطورة في هذا المجال. فمن ناحية تطرح إيران مشكلة التحرر السياسي من منظوره العميق، وهو طرح يربط بين الارتقاء إلى صف الأمم المتقدمة اقتصاديا وتكنولجيا واجتماعيا والتحرر السيكولوجيي والذهني والثقافي من هيمنة النموذج الغربي، الذي يطرح نفسه كأرقى نموذج بشري ينبغي الاحتذاء به. ومن ناحية أخرى توغل البلاد في الانغماس في الثقافي المحلي، الذي يحيل إلى معايير ثقافية ومرجعيات اجتماعية يصعب عليها أن تستوعب إيجابيا ما سوف تفضي إليه التحولات الاجتماعية التي تشهدها إيران اليوم، بسبب النجاح المتفاوت الذي تحققه في بعض مناحي التعليم والاقتصاد والتكنولوجيا.
إلى حد الآن يوفر الصدام مع القوى المعادية لإيران، تلك القوى التي تتربص بمشروعها النهضوي الخطير على مصالحها الاستراتيجية في المنطقة، الذريعة-الحجة التي تساعدها على التشبث بالمحلي وبالطائفي لتتصدى به ثقافيا لأعدائها الغربيين، وهذا ليس اكتشافا إيرانيا بل سبقه إليها اليابانيون وغيرهم. لكن هذه الاستراتيجية –التي هي جزء من طريقة فهم إيران وتحليلها لشروط التحرر من الهيمنة الخارجية- يُصعب عليها التعامل مع جيرانها المغرقون هم أيضا في انتماءاتهم المذهبية.
لكن إيران اليوم على عتبة مرحلة جديدة خططت لها بعناية، ملخصها أن تتحول علاقاتها العدائية بالغرب « الشيطان » إلى علاقات تشتغل بمفهومي التنافس والتعاون، وهي مفاهيم تفترض أن يعترف الأعداء القدامى ببعضهم كمتنافسين جديرين بالثقة مستعدين للتعاون لتحقيق مصالح مشتركة. وهذا يعني أنه بدل التجاهل يحل التشاور، وبدل التهميش يحل الاعتراف بالدور الإقليمي. وبالنسبة لإيران يمثل هذا أحد شروط صناعة » النموذج الإسلامي » الذي تتحدث عنه نخبها المتنفذة، ولكن هذه المرة بأدوات الاستقرار والاستثمار الداخلي الذي قد يحول المجتمع الإيراني إلى مجتمع رخاء وتصنيع وعلم، وهو أحد الشروط الضرورية لتصدير النموذج المذكور.
لكن المجتمع الإيراني ليس جامدا بل يتحرك وفق ما يعتمل داخله من تحولات كبيرة، تعبر عن نفسها بطرق مختلفة، وتحاول الطبقة السياسية الإيرانية حتى الآن حصرها في مقولتي المحافظين والمعتدلين. لكن هذه الأطر ستتآكل شيئا فشيئا، وستواجه إيران مشكل صعوبة الانزواء في عصرنا هذا والتضحية بالحريات السياسية مقابل استكمال شروط النهضة الحقيقية، وسيكون صعبا تكرار تجارب الاستبداد والانزواء السابقة التي مرت من خلالها أمم عديدة إلى العصر الحديث (اليابان، الاتحاد السوفياتي، الصين). والأصعب من الكل هو ابتكار « نموج ثقافي أصيل للعيش » دون مواءمته مع القيم الانسانية الأساسية التي أصبحت اليوم مشتركة بين مجمل شعوب العالم، وهي معضلة لم تستطع الطبقة السياسية الإيرانية تجاوزها حتى الآن، بل وزادتها تعقيدا لأنها تحاول نشر نموذجها السياسي في المنطقة من خلال مقاربة مذهبية، وهي مقاربة تناقض فكرة الكونية وتزرع بذور الحقد الأعمى.
بقدر ما تبدو إيران على الطريق الصحيح في تجاوز البرزخ المحروس جيدا نحو امتلاك ناصية العصر التكنولوجية، فإنها تبدو غير جاهزة إيديولوجيا للإجابة على هذه الأسئلة الثقافية-السياسية الصعبة. ولا ينبغي أن نكل من التأكيد على أن التجربة الإيرانية في إنجاز الثورة الاسلامية لا يمكن استنساخها في البلدان العربية لخصوصيتها الأنثروبولوجية والسوسيولوجية والتاريخية، وهذا ما يعرفه الإيرانيون أنفسهم. ولا يمكن أن نكل أيضا من القول بأن الكثير من أسئلة ومصالح الشعوب العربية تلتقي مع أسئلة ومصالح الشعب الإيراني، وأن الإيرانيين قد نجحوا في حل بعض هذه الأسئلة من خلال جهدهم الصادق في بناء قوتهم الذاتية التي بدأت أمريكا وأوربا تقدرها وتعترف بقيمتها التفاوضية على مصالحها الإقليمية. وخلاصة القول إن موضوعية المصالح وفن السياسة يقتضيان البحث مع الجيران على نقاط التقاطع ومحاصرة نقاط الخلاف بكل استقلالية، ودون ذلك استقلالية في النظر إلى الوقائع، ومشروع جريء وجهد وإصرار.

