Google search engine
الرئيسيةA la uneنظام الملالي بين قداسة الدين وأزمة الشرعية: لماذا بات التغيير في إيران...

نظام الملالي بين قداسة الدين وأزمة الشرعية: لماذا بات التغيير في إيران مسألة وقت؟

على امتداد تاريخها الحديث، عرفت إيران تحولات كبرى في نظام الحكم، أبرزها ثورة 1979 التي جاءت نتيجة تراكم طويل من الاستبداد، والتفاوت الاجتماعي، والتدخل الخارجي. يومها لم يكن التغيير مجرد حدث مفاجئ، بل نتيجة انسداد سياسي وفشل نظام بهلوي في الاستجابة لمطالب المجتمع. هذه الحقيقة التاريخية تذكّرنا بأن الأنظمة لا تسقط فجأة، بل عندما تعجز عن التكيّف مع واقع متغيّر.
قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979، واستبدال نظام علماني بنظام ديني جعل من «نظام الملالي» (الملالي هي جمع لكلمة فارسية الأصل (مُلاّ) تعني « المولى » أو « السيد »، وتُطلق على رجل الدين) نموذجًا غير مسبوق في الشرق الأوسط، حيث سلطة تدّعي شرعية دينية وتستند إليها لتأسيس حكم سياسي مركزي، اقصت فيه كل الكيانات الفكرية والسياسية التي شاركت في الحراك الثوري. لكن مع مرور الوقت، ظهرت تناقضات عميقة بين دعوى النظام المقدسة وبين الواقع الذي يعيش فيه المجتمع الإيراني، وهو واقع يتسم بالأزمات الاقتصادية، وصدامات متكررة بين الدولة والمواطن، وتراجع ثقة شرائح واسعة في شرعية الحكم.
يحكم نظام الملالي إيران مستندًا إلى معادلة معقّدة تجمع بين القوة الصلبة والشرعية الدينية. هذا النظام، الذي وُلد من رحم ثورة رفعت شعارات العدالة والاستقلال، تحوّل تدريجيًا إلى سلطة مغلقة أعادت إنتاج الاستبداد بصيغة دينية، واحتكرت تفسير الدين كما احتكرت السياسة والاقتصاد والسلاح. يقدّم نفسه بوصفه نظامًا إلهيًا لا مجرد كيان سياسي قابل للنقد أو التغيير. إلا أن أكثر من أربعة عقود من الحكم أفرزت واقعًا مختلفًا تمامًا «دولة مأزومة اقتصاديًا، مجتمعًا منقسمًا، وشرعية تتآكل بوتيرة متسارعة».
لم يعد السؤال المطروح داخل إيران وخارجها هو ما إذا كان النظام يواجه أزمة، بل إلى أي مدى يمكنه الاستمرار في إدارتها بالقوة وحدها. وفقًا لمفاهيم ماكس فيبر حول الشرعية، فإن أي سلطة لا تستطيع تجديد مصادر قبولها الاجتماعي تتحول تدريجيًا من نظام حكم إلى جهاز ضبط، ما يفسر هشاشة شرعية نظام الملالي رغم صلابة مؤسساته الأمنية.
سوف نحاول من خلال هذا المقال البحثي تحليل أزمة شرعية النظام الإيراني من منظور تاريخي واجتماعي وسياسي، مع التركيز على تفاعلات الأيديولوجيا والدين والقمع والدولة الأمنية، بالإضافة إلى دور الجيل الجديد والأزمات الاقتصادية والاجتماعية. سنستعرض أيضًا سجل النظام في حقوق الإنسان وحرية الأقليات الدينية، مع تحليل استثنائيات محدودة توضح محدودية التغيير داخل الهياكل السياسية القائمة. نسعى أيضا إلى تقديم فهم متكامل للعوامل التي تجعل التغيير في إيران مسألة معقدة، متعددة الأبعاد، ومرتبطة بالواقع الداخلي والخارجي على حد سواء.

الاحتجاج في إيران: من الاستثناء إلى القاعدة وفشل التحركات الشعبية؟

لقد تحوّلت الاحتجاجات في إيران عبر العقود الماضية من أحداث محدودة إلى ظاهرة متكررة، لكنها غالبًا ما واجهت قيودًا صارمة حالت دون تحقيق أي تغيير جذري. فقد شهدت إيران احتجاجات متعددة على مدار العقود الماضية من احتجاجات الطلبة عام 1999، (المعروفة بـ »18 تير ») كانت انتفاضة طلابية كبرى اندلعت بعد هجوم عنيف لقوات الأمن على سكن جامعة طهران، مما أدى إلى إصابات وقتلى، نتج عنها تظاهر آلاف الطلاب لعدة أيام في طهران ومدن أخرى احتجاجاً على قمع المحافظين، مطالبين بتغيير النظام نحو الديمقراطية العلمانية، وأصبحت فيما بعد نقطة انطلاق للحركات الإصلاحية اللاحقة. على غرار « الحركة الخضراء » عام 2009، التي أدت الى احتجاجات قوية شهدتها إيران على مدى شهور؛ اندلعت إثر إعلان فشل مرشح قوى المعارضة مير حسين موسوي في الانتخابات الرئاسية عام 2009، فواجهت قمعا أمنيا شديدا أدى لمقتل العشرات واعتقال المئات، وفرض الإقامة على قادة المعارضة البارزين.
شكلت هذه الاحتجاجات أكبر أزمة داخلية تشهدها البلاد منذ نجاح الثورة الإيرانية 1979، وصولًا إلى انتفاضات 2017 و2019 وما بعدها. وهذا يشير إلى أن الاحتجاج لم يعد حدثًا طارئًا، بل أصبح جزءًا من بنية السياسة الإيرانية. بينما ظل العامل المشترك واحدًا: «مجتمع يطالب بالتغيير، ونظام يرد بالقمع». يُظهر هذا النمط من خلال ما دونه عالم الاجتماع تشارلز تيلي في كتابه الحركات الاجتماعية بأن الاحتجاج يصبح ملاذًا عندما تُغلق قنوات التمثيل السياسي داخل النظام. وفق هذا المنظور، يتحول الشارع إلى المكان الوحيد للتعبير عن المطالب السياسية والاجتماعية، بدلاً من المؤسسات الرسمية.
فشل التحركات الشعبية في إحداث تغيير جذري لا يعني فشل المجتمع، بل يعكس اختلال ميزان القوة. فالنظام الإيراني صُمّم منذ بدايته ليكون مقاومًا للتغيير، لا قابلًا له. مؤسساته الأمنية والعقائدية متشابكة، وقراره السياسي مركزي، في مقابله تفتقر الحركات الاحتجاجية إلى قيادة موحدة، وتنظيم طويل النفس، ورؤية واضحة لمرحلة ما بعد التغيير. بمعنى اخر، هذه التحركات لم تفشل لأنها بلا أسباب، بل لأنها اصطدمت بدولة صُممت لمنع التغيير. فالنظام الإيراني لم يقم فقط على مؤسسات رسمية، بل على شبكة أمنية-عقائدية متداخلة تجعل من أي حراك تهديدًا وجوديًا، لا خلافًا سياسيًا قابلًا للحل.
وفقًا لخوان لينتس، فإن الأنظمة السلطوية لا تسقط بسهولة إلا عندما تنهار شرعيتها داخليًا، أو تنقسم نخبها، أو تفقد القدرة على إدارة أزماتها الاجتماعية والاقتصادية. وهذا ما يفسر قدرة النظام الإيراني على احتواء موجات احتجاج متتالية دون أن يقدّم إصلاحات جوهرية.

الاحتجاجات التي اندلعت في ديسمبر/كانون الأول 2025 رافقها اعتراف غير متوقّع من الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، أقرّ فيه بأن المسؤولية الأساسية عن تدهور الأوضاع المعيشية في البلاد تقع على عاتق الحكومة، داعيا إلى التوقف عن إلقاء اللوم على الولايات المتحدة. تصريحات تزامنت مع اتّساع رقعة الاحتجاجات الشعبية في عدد من المدن الإيرانية. وقال بزشكيان، خلال حديثه في اجتماع سياسي يوم 1 كانون الثاني 2026، إن « الناس غير راضين، ونحن المقصرون »، مضيفا: « لا ينبغي أن نبحث عن أمريكا، فالمشكلات التي يعاني منها المواطنون ناتجة عن سياسات داخلية وأخطاء في الإدارة والحوكمة ».
اعتراف بزشكيان بأن « السياسات الداخلية هي السبب الرئيسي في تدهور الأوضاع » يشكل توجها غير معتاد في الخطاب الرسمي منذ الثورة الإسلامية، لأنه يتجاوز سردية إلقاء اللوم على « الأعداء الخارجيين » ويضع المسؤولية على قيادة الحكم نفسها. قد يشير هذا من جهة أخرى، إلى توتر داخلي بين من يعتبر الاعتراف ضروريًا للإصلاح وبين من يتمسك بالخطابات التقليدية لإعادة بناء الشرعية، وهو مؤشر مهم على عمق الأزمة التي يواجهها النظام الإيراني اليوم.

ولاية الفقيه: من نظرية دينية إلى سلطة فوق الدولة


تكمن إحدى أعمق المشاكل في إيران فيما يسمى بـ « ولاية الفقيه »، هذا المفهوم الذي يمنح مرجعًا دينيًا للسلطة السياسية في إيران ويمنحها الشرعية. يرى بعض المفكرين أن النظام حول الفقه والدين من إطار نقاش فكري إلى آداة للدفاع عن امتيازات السلطة، بحيث أصبحت المعارضة السياسية تُعامل باعتبارها خروجًا على الدين نفسه لا خروجًا فقط عن طاعة ولي الامر، والخروج عن الدين هو خروج عن اجماع المسلمين يستوجب « إقامة الحد » بلا أدنى شك، حسب التفسيرات الدينية الاسلامية.
هنا يستحضرنا ما كتبه الفيلسوف والمفكر الإيراني عبد الكريم سروش في نقده لتحوّل الدين من مرجعية روحية وأخلاقية إلى أداة سياسية للتحكّم، وهو نقد جعل من كتابه « الإسلام والمعارضة في إيران ما بعد الثورة » من أكثر الكتب تأثيرًا في فهم دين الدولة الإيراني حداثيًا، حيث أشار إلى أن الإسلام لا يمكن اختزاله في مشروع سياسي موحد وثابت. فوفق رؤيته، الدين هو حوار مستمر بين الإنسان والنص المقدس، وليس أيديولوجيا يُفرض تفسيرها كقواعد جامدة على المجتمع. يؤكد سروش أن أي محاولة لإقامة دولة تقوم على تفسير واحد نهائي للإسلام تؤدي إلى تحويل الدين من مرجعية أخلاقية وروحية إلى أداة للسلطة السياسية والقمع. في هذا السياق، يرى أن الدولة التي تفرض هذا النوع من الإيديولوجيا الدينية تقيد حرية الدين نفسه، وتخلق فجوة بين المبادئ الروحية للدين والواقع السياسي والاجتماعي للمجتمع.
باختصار، هو يوضح أن الشرعية الدينية للنظام الإيراني تواجه تحديًا جوهريًا داخليًا، إذ أن محاولات توظيف الدين كأداة للسيطرة تتعارض مع طبيعة الدين المتغيرة والقابلة للتأويل، مما يضعف مصداقية النظام أمام المجتمع ويزيد من فجوة الشرعية الأخلاقية والاجتماعية. (Bloomsbury)
منذ السبعينيات، برز المفكر الإيراني علي شريعتي كواحد من أبرز الأصوات التي حذّرت من خطر تحويل الدين إلى أداة للسلطة السياسية. خلال فترة الثورة الإيرانية، كان شريعتي صوتًا مؤثرًا بين الشباب والطبقات الوسطى، حيث دعا إلى رؤية دينية تحررية واجتماعية بدل أن تُستغل لتبرير السلطة والقمع. في كتابه العودة إلى الذات وغيرها من كتاباته، حذّر من أن توظيف الدين كأيديولوجيا سياسية قد يحرف الثورة عن أهدافها الاجتماعية والإنسانية. تحليل شريعتي يشكّل إطارًا مهمًا لفهم التوتر بين مشروع الثورة الإيراني ونتائجها العملية، ويبرز الفرق بين الدين كمرجعية أخلاقية وبين الدين كأداة للهيمنة السياسية (Persian Bridge)
تفقد الأيديولوجيا فعاليتها في جذب الولاء عندما تتحول إلى مجرد درع للقمع، هذا ما تشير اليها المنظرة السياسية حنة آرنت (Hannah Arendt) في تحليلاتها لفكرة الشمولية إلى أن الأنظمة التي تعتمد على أيديولوجيا صارمة لتبرير العنف والقمع لا تستطيع تكوين ولاء حقيقي بين المواطنين، بل تنتج خوفًا وامتثالاً شكليًا. فالأيديولوجيا، عندما تُستثمر في السيطرة والضغط بدل أن تبني قاعدة قبول اجتماعي، تصبح عبئًا على السلطة، فتزيد الفجوة بين الدولة والمجتمع وتضعف الشرعية الأخلاقية والسياسية للحكم. في حالة إيران، هذا التحليل يوضح لماذا محاولات النظام استثمار الدين كمرجعية شرعية لتبرير القمع تواجه مقاومة ضمنية في المجتمع، خصوصًا بين الأجيال الشابة والفئات المتعلمة، الذين يرفضون الانصياع لأي سلطة قائمة على العنف فقط (Stanford Encyclopedia of Philosophy).

الدولة الأمنية: الحرس الثوري والباسيج كنواة للسلطة


أحد أهم عوامل صمود النظام الإيراني هو هيمنته المطلقة على القوة العسكرية والأمنية، وتحديدًا عبر مؤسستي الحرس الثوري وقوات الباسيج. هذه المؤسسات لا تقتصر وظيفتها على الدفاع عن الدولة من الخارج، بل تُعد أداة مركزية للتحكم الداخلي وإعادة هيكلة المجتمع وفق رؤية أيديولوجية محددة.
في كتاب Captive Society: The Basij Militia and Social Control in Iran، يناقش الباحث سعيد جولكار كيف استُخدمت هذه القوات ليس فقط لقمع المظاهرات واحتواء الاحتجاجات، بل لإعادة تشكيل المجتمع نفسه عبر أساليب الاحتواء الفكري، التجنيد شبه الإجباري للشباب، وإرساء شبكة من المراقبة الاجتماعية المكثفة.
ما يميز نموذج الدولة الأمنية في إيران هو أن القمع ليس رد فعل عارضًا، بل سياسة ممنهجة ومستمرة لا بديل لها. بحيث يتعامل النظام مع أي تحدٍ أو احتجاج كتهديد وجودي، مما يبرر استخدام العنف الشامل، حتى لو كلّف ذلك آلاف الأرواح. هذه الاستراتيجية تعكس فهم النظام لمبدأ « الحفاظ على الهيمنة بأي ثمن »، حيث يُنظر إلى أي تراجع أمني على أنه انكشاف للضعف يهدد بقاء الدولة.
إضافة إلى ذلك، الحرس الثوري والباسيج يعملان على ترسيخ الأيديولوجيا الرسمية في المجتمع، من خلال المدارس الدينية، الجامعات، وسائل الإعلام، وحتى المؤسسات الاقتصادية، مما يخلق شبكة مزدوجة من السيطرة، كسيطرة بالقوة المباشرة وسيطرة فكرية وأيديولوجية على السكان. بهذا الشكل، تصبح الدولة الأمنية العمود الفقري للنظام الإيراني، القادر على كبح أي احتجاجات جماعية وتحويل الاحتجاجات إلى أحداث محدودة لا تهدد استمرارية الحكم.
باختصار، الهيمنة الأمنية في إيران ليست مجرد أداة لقمع المعارضة، بل آلية هندسية لإعادة تشكيل المجتمع وفق الأيديولوجيا الرسمية، مما يجيب على سؤال: لماذا استمرت الجمهورية الإسلامية في البقاء رغم الاحتجاجات الشعبية المتكررة والأزمات الاقتصادية والاجتماعية.
الجيل الجديد والأزمة المركبة: القيم والهوية مقابل الاقتصاد والسياسة
واحدة من أكثر الظواهر وضوحًا في إيران اليوم هي تحول القيم الاجتماعية لدى الجيل الجديد، خصوصًا الشباب الذين ولدوا بعد الثورة أو في مراحل لاحقة. هؤلاء لا يحملون الذاكرة التاريخية نفسها المتعلقة بالحرب مع العراق أو الحماسة الثورية، بل يتعاملون مع واقع اقتصادي صعب، ويرون في الخطاب الديني الرسمي والحكم الأيديولوجي حجر

عثرة أمام تحقيق طموحاتهم في الحرية والعدالة الاجتماعية.

الجيل الجديد والأزمة المركبة: القيم والهوية مقابل الاقتصاد والسياسة

واحدة من أكثر الظواهر وضوحًا في إيران اليوم هي تحول القيم الاجتماعية لدى الجيل الجديد، خصوصًا الشباب الذين ولدوا بعد الثورة أو في مراحل لاحقة. هؤلاء لا يحملون الذاكرة التاريخية نفسها المتعلقة بالحرب مع العراق أو الحماسة الثورية، بل يتعاملون مع واقع اقتصادي صعب، ويرون في الخطاب الديني الرسمي والحكم الأيديولوجي حجر عثرة أمام تحقيق طموحاتهم في الحرية والعدالة الاجتماعية.
تفاقم هذا الشعور بالاستياء بسبب الأزمة الاقتصادية المستمرة الناتجة عن سوء الإدارة الداخلية، العقوبات الدولية، وانخفاض الصادرات، والتي أدت إلى ارتفاع التضخم، البطالة، وتراجع مستوى المعيشة. الطبقات الوسطى، التي كانت تشكّل قاعدة دعم للنظام، وجدت نفسها محرومة اقتصاديًا ومحدودة في آفاقها المستقبلية، ما أضعف القاعدة الشعبية للشرعية التقليدية للنظام.
حسب تحليلات صموئيل هنتنغتون في النظام السياسي في المجتمعات المتغيرة، فإن الفجوة بين التحديث الاجتماعي السريع والجمود السياسي غالبًا ما تؤدي إلى عدم استقرار طويل الأمد. في حالة إيران، تجسدت هذه الفجوة بوضوح خلال احتجاجات الشباب التي أعقبت حادثة وفاة مهسا أميني عام 2022، والتي أثارت غضبًا شعبيًا واسعًا، مؤكدًا أن الجيل الجديد لم يعد يقبل الهيمنة الأيديولوجية والقمع باسم الدين أو السياسة.
ما يجب ملاحظته بوضوح، إيران تواجه اليوم أزمة مركبة: الشباب يُعيدون تعريف القيم والهوية بعيدًا عن الخطاب الرسمي، بينما الأزمات الاقتصادية والاجتماعية تكشف هشاشة النظام، ما يجعل التغيير، سواء سياسيًا أو اجتماعيًا، أمرًا محتملًا أكثر من أي وقت مضى

حقوق الإنسان والحرية الدينية: بعد أخلاقي وسياسي


أحد الجوانب الجوهرية التي تكشف هشاشة شرعية النظام الإيراني هو سجله في حقوق الإنسان وحرية الدين. فهذا النظام لا يقتصر في قمعه على النشاط السياسي، بل يمتد إلى الأقليات الدينية والمذاهب المختلفة، ما يعكس نزاعًا دائمًا بين الدين كمصدر أخلاقي والدين كأداة للسلطة السياسية.
قمع الأقليات كان سمة بارزة للنظام منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية. على سبيل المثال، البهائيون، أكبر أقلية دينية في إيران، محرومون من الاعتراف القانوني، ويُمنعون من الدراسة الجامعية والممارسة الدينية، ويواجهون اعتقالات متكررةAmnesty International . بينما المسيحيون واليهود، رغم الاعتراف الرسمي، يواجهون تضييقًا صارمًا على ممارسة شعائرهم، ويُعاقب من يحاول التحول من الإسلام إلى ديانة أخرىUS State Dept – Iran . أما المسلمون غير الشيعة وتحديدا السنة، الصوفيون، وأقليات أخرى، فيواجهون قيودًا على أداء طقوسهم بحرية، مع اعتقالات وتهم أمنية ملفقة.
يبرز النظام الإيراني تناقضًا صارخًا في التعامل مع الأقليات؛ فبينما يعترف قانونيًا بالزرداشية، فإنه يضيق بشكل ممنهج على الآخرين، ما يعكس تمييزًا واضحًا وعدم اتساق في تطبيق الحرية الدينية. هذا الاستخدام الانتقائي للدين كأداة سياسية يظهر كيف يمكن للدين أن يتحول من مرجعية أخلاقية إلى أداة للسيطرة والقمع. من جهة أخرى، لهذا القمع تأثيره المباشر على المجتمع المدني فقد خلق جوًا من الخوف وعدم الثقة، حيث يُسجن الناشطون الدينيون والحقوقيون والراي والتعبير، ويُحظر عليهم السفر، ويُعيق تشكيل أي منظمات مستقلة (UN Human Rights Council – Iran).
تُعامل هذه الأقليات كفئة « غير مرغوب بها »، ولكن الإدارة السياسية والمرجعيات الدينية بحاجة لوجود هذه الأقليات، من اجل استخدامها كأوراق ضغط حينما لا يعود هناك ما تحتج به للتغطية على ممارساتها القمعية. إذا لا يسمح للأقليات بالسفر أو تولي المناصب الحسّاسة في الدولة، وحتى التعليم يًقْتَصر على تخصصات معينة، وفي أحيان كثيرة يحرمون منه، وقلائل هم الذين يفلتون من هذا الحصار، ولكن ضمن حدود وحسابات وصفقات لاإنسانية يتم فيها التعدي على حقوق الإنسان، والتي تصل في اغلبها إلى حد امتهان الكرامة الإنسانية.
قد يرى البعض في وجود شخصيات مثل علي شمخاني، العربي من خوزستان، في مناصب عليا في الدولة الإيرانية دليلا على انفتاح النظام على الأقليات؟ في الواقع شمخاني وغيره من القلة الذين وصلوا لهذه المناصب، يُعتبرون استثناءً فرديًا يعتمد على الولاء السياسي للنظام، ولا يعكس أي انفتاح حقيقي أو سياسة شاملة لتقريب الأقليات من مراكز السلطة، حيث تظل أغلب الأقليات مهمشة ومقيدة في ممارسة حقوقها الدينية والسياسية.

هذه الممارسات سببت إحباط لدى فئات واسعة من المجتمع، خصوصًا الشباب، الذين يرون في الهيمنة الأيديولوجية قيودًا على حياتهم اليومية وحرياتهم الأساسية وخاصة اختياراتهم الدينية. في هذا السياق، يصبح من الواضح أن انتهاك الحرية الدينية والأقليات ليس مجرد جانب فرعي في السلطة، بل مؤشر على تآكل الشرعية الأخلاقية للنظام، ويضيف بعدًا جديدًا لفهم التحديات الداخلية التي تواجه الجمهورية الإسلامية.
البعد الخارجي: انتكاسات المحور الإقليمي وتآكل سردية القوة
لا يمكن فهم الأزمة الداخلية في إيران بمعزل عن الانتكاسات المتتالية لمشروعها الإقليمي، الذي شكّل لعقود أحد أعمدة الشرعية الرمزية للنظام في الداخل. فمنذ مطلع الألفية، روّجت طهران لنفسها بوصفها قوة إقليمية صاعدة، قادرة على فرض نفوذها عبر شبكة من الحلفاء والأذرع المسلحة، غير أن السنوات الأخيرة كشفت عن تآكل هذا المشروع وارتفاع كلفته السياسية والاقتصادية.
في لبنان، يواجه حزب الله ضغوطًا داخلية غير مسبوقة وتراجعًا في الحاضنة الشعبية، في ظل الانهيار الاقتصادي وفقدان القدرة على تسويق « المقاومة » كأولوية وطنية جامعة. وفي العراق، تقلّص نفوذ الفصائل الموالية لطهران لصالح خطاب سيادي رافض للتدخلات الخارجية، ما حدّ من قدرة إيران على توجيه القرار السياسي كما في السابق.
أما في سوريا، فقد شكّل سقوط نظام بشار الأسد نهاية فعلية للوجود الإيراني المنظم الذي استثمرت فيه طهران عسكريًا واقتصاديًا على مدى أكثر من عقد. هذا السقوط لم ينهِ فقط أحد أهم مواقع النفوذ الإيراني في المشرق، بل كشف أيضًا حدود القدرة الإيرانية على حماية حلفائها أو ضمان استمرارية أنظمة مرتبطة بها، ما شكّل ضربة قاسية لسردية « العمق الاستراتيجي ». وفي اليمن، طال أمد الصراع دون حسم، ما حوّل الدعم الإيراني للحوثيين من ورقة ضغط إقليمية إلى استنزاف سياسي دون عائد استراتيجي واضح.
هذه الانتكاسات الخارجية انعكست مباشرة على الداخل الإيراني؛ إذ لم تعد السياسة الإقليمية تُقدَّم كمصدر قوة وطنية، بل بات ينظر إليها كعبء يفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية. ومع تراجع صورة إيران كقوة منتصرة في الإقليم، فقد الخطاب الخارجي قدرته على تعبئة الداخل أو تبرير القمع باسم « المواجهة الوجودية ».
وبذلك، تتكامل أزمة السياسة الخارجية مع أزمات الشرعية الداخلية، لتؤكد أن النظام الإيراني يواجه انحسارًا مزدوجًا: داخليًا في القبول الاجتماعي، وخارجيًا في القدرة على فرض النفوذ.

الزمن لا ينتظر أحدًا

عند دراسة التاريخ الإيراني الحديث، يتضح أن الاستبداد لم يبدأ مع الملالي. فقد حكم النظام البهلوي إيران قبل الثورة بأسلوب مركزي، مع استخدام جهاز أمني قوي (SAVAK) لقمع المعارضة، مع الإبقاء على أي منافسة سياسية تحت السيطرة. الثورة الإيرانية عام 1979 جاءت شعاراتها ضد الفساد والاستبداد، لكن النظام الجديد سرعان ما أعاد إنتاج نفس نموذج القمع، مع تعزيز الشرعية باسم الدين والثورة. هنا تتجسد « استمرارية الدولة القمعية »، إذ إن التغيير الجذري في النظام لم يأتِ بقيم جديدة للحكم، بل استعار آليات النظام السابق وطبّقها باسم الشرعية الدينية.
وفق تحليل خوان لينز وصموئيل هنتنغتون، فإن الأنظمة التي تولد من احتجاج شعبي غالبًا ما تحافظ على أدوات قمع سلفها لضمان استمرارها، ما يجعل أي تحرك إصلاحي معقدًا للغاية. إيران مثال حي على أن تغيير النظام لا يعني بالضرورة تغيير أسلوب الحكم.
قد يبدو النظام الإيراني قويًا في بنيته الأمنية وقدرته على القمع، لكنه بات يواجه شيئين لا يمكن احتواؤهما بالقوة «تغير المجتمع الداخلي وفقدان الثقة في شرعية الهيمنة» هذه الشرعية المبنية على الدين لطالما استخدمت للقمع تتحول اليوم إلى عبء، لا درع.
إيران اليوم تعيش ظروفًا تشبه مراحل ما قبل التحول في دول أخرى: ضغوط اقتصادية خانقة، فجوة متزايدة بين الدولة والمجتمع، وجيل شاب أكثر اتصالًا بالعالم وأقل استعدادًا لقبول القيود القديمة. في الوقت نفسه، يمتلك النظام مؤسسات قوية وأدوات ضبط تمنحه قدرة على الاستمرار، ولو بكلفة اجتماعية واقتصادية متزايدة.
السيناريوهات المستقبلية تتراوح بين استمرار الوضع القائم مع تشديد أمني، أو إصلاحات عميقة من داخل النظام، أو انتقال تدريجي تفرضه ضغوط المجتمع، أو تغيير مفاجئ ناتج عن أزمة كبرى داخل النظام نفسه. التجارب التاريخية تشير إلى أن السيناريو الأقل كلفة هو ذاك الذي يجمع بين الضغط الشعبي والتنظيم والقدرة على التفاوض، لا الانفجار غير المحسوب.

نهاية، نصل الى استنتاج مفاده ان الأزمة في إيران اليوم تتشابك بين سلطة الدولة، الأيديولوجيا، الغضب الاجتماعي، والتحديات الاقتصادية، وواقع حقوق الانسان، ما يجعل أي تغيير سياسي مسألة معقدة ومرتبطة بعوامل متعددة، داخليًا وخارجيًا. مع ذلك، يبدو أن إيران بحاجة إلى تغيير حقيقي، لكن شكل هذا التغيير وحدوده وتوقيته تبقى مرهونة بوعي المجتمع، ونضج البدائل، وقدرة الفاعلين السياسيين داخل البلاد وخارجها على تجنب أخطاء التجارب السابقة. فالتاريخ علمنا انه لا يكرر نفسه حرفيًا، لكنه يعاقب من لا يتعلم منه.

بقلم أ. مسعود حفناوي

:مراجع وروابط موثوقة

  1. ماكس فيبر – Economy and Society (AOT Arabic)
  2. عبد الكريم سروش – Islam and Dissent in Postrevolutionary Iran (Bloomsbury)
  3. علي شريعتي – العودة إلى الذات (Persian Bridge)
  4. سعيد جولكار Captive Society: The Basij Militia and Social Control in Iran
  5. صموئيل هنتنغتون – Political Order in Changing Societies (Stanford Encyclopedia)
  6. حنة آرنت – The Origins of Totalitarianism (Stanford Encyclopedia)
  7. US State Department – Iran: Religious Freedom Report 2022 (Link)
  8. Amnesty International – Iran Human Rights Report (Link)
  9. UN Human Rights Council – Iran (OHCHR)
RELATED ARTICLES

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -
Google search engine

Most Popular

Recent Comments