الرئيسية A la une ليبيا: تداول اسم ناصر السنوسي في الكواليس الدبلوماسية.. هل يكون مفتاح المرحلة...

ليبيا: تداول اسم ناصر السنوسي في الكواليس الدبلوماسية.. هل يكون مفتاح المرحلة الانتقالية؟

تونس/طرابلس ــ في الأروقة المغلقة للبعثات الدبلوماسية ومقرات الأحزاب غير المعلنة، يتردد اسم لم يخرج بعد إلى الإعلام الرسمي. ناصر صلاح منصور صفي الدين الشريف السنوسي، رجل في الرابعة والخمسين من عمره، ليس وزيراً ولا قائد مليشيا. لكنه، وفق من يطرحونه، “رجل الوصل” الذي قد يفك اشتباكاً ليبياً مستعصياً. كيف؟ بعلاقاته الممتدة من بنغازي إلى طرابلس مروراً بسبها. ولماذا الآن؟ لأن الانتخابات المؤجلة تتحول إلى كابوس، والليبيين، في غالبيتهم الصامتة، لم يعودوا يتحملون وجوهاً استهلكت في الحروب.

مرشح بلا منصة: حين تصبح العزلة السياسية ميزة

لا يملك ناصر السنوسي مقراً للقيادة، ولا كتيبة عسكرية تتبعه. هذا ما يردده منتقدوه. لكن مؤيديه يقرؤون الأمر من زاوية معاكسة: عدم انخراطه في دوائر صنع القرار الحالية يمنحه حرية الحركة. لم يُتهم بالفساد، لم يُدرج في قوائم العقوبات الدولية، لم يصدر بحقه بيان إدانة من أي من الأطراف المتحاربة سابقاً.

المتابعون للشأن الليبي يذكرون أنه حفيد صفي الدين الشريف السنوسي، أحد أبرز وجوه المقاومة للاستعمار الإيطالي ثم مرحلة تأسيس الدولة الليبية الحديثة. انتماء عائلي يمنحه شرعية رمزية، لكنه لا يمنحه سلطة ميدانية. بين الميزتين، يحاول الرجل بناء مسار ثالث: مسار الحوار الهادئ، بعيداً عن المنابر الإعلامية الصاخبة.

منذ سنوات، وهو ينسق لقاءات غير معلنة بين شخصيات قبلية من الشرق وشخصيات مدنية من الغرب. لا بيانات ختامية، لا مؤتمرات صحفية. مجرد تقريب وجهات نظر. هذا الأسلوب، شديد البطء، لم ينتج حتى الآن خارطة طريق واضحة. لكنه، بحسب مراقبين تونسيين تابعوا الملف، أنتج شيئاً قد يكون أثمن في المدى القصير: ثقة متبادلة هشة بين أطراف كانت بالأمس تتبادل الاتهامات بالخيانة.

المشهد الليبي: انقسام متجذر وانتخابات سرابية

لفهم الاندفاعة نحو البحث عن وجه جديد، لا بد من العودة إلى طبيعة الأزمة الليبية كما هي اليوم. البلاد منقسمة إدارياً بين حكومة في طرابلس معترف بها دولياً، وسلطة موازية في الشرق. المؤسسة العسكرية منقسمة بدورها. البنك المركزي، شريان الاقتصاد الوحيد، تعطلت آلياته لسنوات.

محاولات تنظيم انتخابات رئاسية وتشريعية، كان آخرها في ديسمبر 2021، اصطدمت بأزمة ثقة. كل طرف يخاف من خسارة صناديق الاقتراع أكثر مما يطمح للفوز بها. النتيجة: تعطيل متبادل ووصول البلاد إلى طريق مسدود.

في تونس، التي تتابع الملف عن كثب بسبب حدودها الغربية الطويلة، يثير هذا الجمود قلقاً أمنياً واقتصادياً. تهريب السلع والوقود والأدوية، وعبور المقاتلين، كلها تداعيات غير مباشرة لغياب الدولة المركزية في ليبيا. لذلك، فإن أي حديث عن شخصية قادرة على لملمة الشتات السياسي يلقى اهتماماً استثنائياً في أروقة قرطاج وباردو، وإن لم يصرّح به رسمياً.

تحديات أي قادم جديد: من التوافق إلى التنفيذ

حتى لو حظي السنوسي بتوافق واسع، وهو أمر لم يتحقق بعد، فإن طريقه محفوف بعقبات جوهرية. أولاً: توحيد المؤسسة العسكرية. لا يمكن تنظيم انتخابات في ظل جيشين. ثانياً: الملف الاقتصادي. الموازنة العامة، توزيع عائدات النفط، ورفع الدعم عن المواد الأساسية دون إحداث انفجار اجتماعي. ثالثاً: إصلاح القضاء ليصبح طرفاً محايداً في النزاعات الانتخابية.

المسألة لا تتعلق فقط بشخصية الرئيس أو رئيس الوزراء القادم. تتعلق بمنظومة حكم بأكملها. هنا يظهر سؤال جوهري: هل يمكن لرجل بلا جهاز أمني، بلا حزب جماهيري، أن يفرض إرادة التوافق على فاعلين مسلحين يملكون حق النقض الميداني؟

بعض المحللين يعتبرون أن تجارب مشابهة في المنطقة، من تونس إلى السودان، أثبتت أن الشخصيات التوافقية غالباً ما تنهار تحت وطأة الضغط العسكري أو المالي. بينما يرى آخرون أن استمرار الفشل الذريع لوجوه الصراع التقليدية قد يخلق فراغاً يملؤه بالضرورة نوع جديد من القيادات. قيادات لا تفاوض على السلطة، بل على “جدول زمني واضح للتسليم”.

رمزية الانتظار

إلى حدود كتابة هذه الأسطر، لم يصدر عن ناصر السنوسي أي تصريح يؤكد أو ينفي رغبته في تقلد أي منصب. البعض يعتبر صمته حكمة سياسية، والبعض الآخر يراه دليلاً على أن اسمه يُستعمل للاستهلاك الإعلامي فقط. لكن في بلد مثل ليبيا، حيث كل كلمة تتحول إلى سلاح، فإن الصمت أحياناً يكون الناطق الوحيد بثقل المرشح.

يبقى السؤال الذي لا تجيب عليه المصادر الدبلوماسية: هل يمكن لرجل عاش عقوداً في الظل، بعيداً عن الكاميرات، أن يتحول فجأة إلى قائد مرحلة انتقالية في أكثر بلدان المغرب العربي تعقيداً؟

Exit mobile version