في تونس، لم يعد من السهل الخوض في نقاش دستوري أو قانوني دون أن يُسقَط مباشرة في خانة الاصطفاف السياسي. فكل دفاع عن قاعدة قانونية يُفهم، غالبًا، إمّا كتزلف للمنظومة الحاكمة، أو كتبرير لدستور كُتب في سياق محلّ خلاف واسع. غير أن هذا المنطق نفسه يعكس أزمة أعمق عجزنا عن التمييز بين نقد السلطة والتمسّك بمبادئ الدولة.
القول بأن الفصل السادس والستين يتضمّن فائدة حقيقية لا يعني الدفاع عن دستور 2022، ولا عن المسار السياسي الحالي، بل يعني الاعتراف بأن السياسة ليست عملية تطهير أخلاقي شامل، وأنه حتى في السياقات المأزومة قد تظهر قواعد تستجيب لحاجة موضوعية للدولة. وكما يقول الفيلسوف السياسي ريمون آرون: « النضج السياسي يبدأ حين نميّز بين رفض النظام ورفض فكرة الدولة ».
في الديمقراطيات المستقرة، لا تُعتبر مساءلة النواب عن العنف أو الإهانة تضييقًا على الحرية. في فرنسا وألمانيا وبريطانيا، تُحترم حرية التعبير البرلماني، لكن تُرسم لها حدود واضحة حين تتحوّل إلى اعتداء أو تعطيل مؤسساتي. هذه القواعد لم تُضعف تلك الديمقراطيات، بل حمتها من التآكل الداخلي.
في فرنسا، لا تشمل الحصانة البرلمانية الأفعال الجنائية أو الإهانات أو العنف، ويمكن تتبّع النائب خارج إطار آرائه البرلمانية. وفي ألمانيا، يميّز الدستور بوضوح بين حرية التعبير داخل البرلمان والمسؤولية الجنائية عن الأفعال. بينما في المملكة المتحدة، يُعدّ العنف أو الإهانة داخل البرلمان خرقًا جسيمًا قد يؤدّي إلى عقوبات صارمة، رغم عراقة « الامتياز البرلماني ». لم تعتبر هذه الدول ذلك تضييقًا على الحرية، بل حماية للمؤسسة التشريعية وهيبتها وتونس لم تأتِ بشيء شاذ.
الدولة ليست النظام: من التجربة البرلمانية إلى سؤال الدولة
أحد أخطر الانزلاقات في الخطاب السياسي التونسي هو التعامل مع الدولة باعتبارها مرادفًا للنظام القائم، وبالتالي اعتبار المسّ بمؤسساتها فعل مقاومة. لكن مونتسكيو، في كتابه (روح القوانين)، كان واضحًا بقوله « القوانين وُجدت لتقيّد السلطة، لا لتُدمَّر باسم مقاومته ». وعليه فان نقد الدولة من داخل القانون يقوّيها، أما تحقيرها فيقود إلى منطق الغلبة لا منطق السياسة.
لطالما شدّد أستاذ القانون الدستوري عياض بن عاشور على أن الدولة الديمقراطية لا تُختزل فيمن يحكمها، بل في القواعد التي تنظّم السلطة وتضبط سلوك الفاعلين داخلها. هذا التمييز أساسي اليوم، لأن الخلط بين الدولة والنظام جعل كل نقاش حول الانضباط المؤسساتي يُقرأ كدفاع عن الحاكم. لكن الدولة، في معناها العميق، هي إطار جامع، واستمرارية قانونية، وحدّ أدنى من الاحترام المتبادل بين المختلفين. المسّ بهذا الإطار لا يضعف السلطة فقط، بل يضعف إمكان السياسة نفسها.
في تونس، مثل العديد من التجارب الديمقراطية في العالم، مثلت الحصانة البرلمانية استجابة تاريخية لأوقات انتقال سياسي، ولكن السياق العملي كشف عن تحديات واضحة، حينما استُخدمت هذه الحصانة لحماية سلوكيات تهدد انسيابية العمل داخل البرلمان وتقوّض احترام مؤسسات الدولة. هنا تتقاطع النظريات الأكاديمية مع المطالب الواقعية للمواطنين « الديمقراطية القوية ليست فقط في نصوص تُكتب على الورق، بل في قدرة المؤسسات على مساءلة ممثلي الشعب عندما يتجاوزون حدود القانون، بغض النظر عن الذين يشغلون هذه المناصب، أو عن أصواتهم السياسية ».
لم يولد الفصل السادس والستون (66) من فراغ. لقد جاء بعد تجربة برلمانية اتّسمت، في فترات طويلة، بانهيار الانضباط داخل المؤسسة التشريعية شهدت جلسات معطّلة، تبادل عنف لفظي، قذف علني، وأحيانًا اعتداء جسدي. مشاهد لم تُقرأ فقط كأحداث معزولة، بل كمؤشر على أزمة أعمق في العلاقة بين السياسة والمؤسسة.
في هذا السياق، يرى عالم الاجتماع السياسي عبد اللطيف الهرماسي أن البرلمان ليس مجرّد فضاء تقني للتشريع، بل مؤسسة رمزية تعكس مستوى اندماج النخب في فكرة الدولة. وحين يتحوّل إلى ساحة صراع فوضوي، تتآكل شرعيته في أعين المواطنين، ويتحوّل التمثيل من وظيفة إلى عبء. لم يكن الأمر مجرّد « حيوية ديمقراطية »، بل تحوّل تدريجيًا إلى مشهد أضعف هيبة المؤسسة التشريعية وضرب ثقة المواطنين في الدولة. هنا يلتقي الواقع التونسي مع ما حذّر منه عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر حين أكّد أن: “الدولة تُعرَّف بقدرتها على احتكار العنف المشروع، لكن هذا الاحتكار لا يصمد إذا انهارت القواعد داخل مؤسساتها نفسها.” (فيبر، السياسة كمهنة) والعنف، حتى اللفظي، حين يصبح سلوكًا عاديًا داخل المؤسسات، يفقد الدولة أحد أسس وجودها.
الحصانة: حماية للوظيفة لا للانفلات
تقول الأدبيات السياسية إن المؤسسات الديمقراطية تنجح عندما يكون هناك توازن بين حرية التعبير السياسي ومسؤولية من يمارسونه فالبرلمان، كما يشير الباحثون في مجال الدولة والمجتمع، هو مؤسسة تمثّل الشعب بأكمله وليس فئة أو تيارًا معيّنًا فقط، وهذا يستوجب أن يكون سلوك أعضاء البرلمان أو غيرهم من المسؤولين مبنيًا على احترام القانون والاحترام المتبادل.
في هذا الإطار، يرى بعض علماء القانون بأن تجاوز الحصانة في حالات مثل القذف العنيف، الإهانة المتعمّدة، أو تعطيل العمل المؤسساتي لا يتعارض مع حرية التعبير السياسي، بل هو جزء من تنظيم السلوك داخل النظام الديمقراطي الذي يحترم القانون ويطبق المساواة على الجميع.
في الفكر الدستوري، لا تُفهم الحصانة بوصفها امتيازًا شخصيًا، بل كضمانة وظيفية. لكن هذه الضمانة تفقد معناها حين تُستعمل لتبرير القذف أو العنف أو تعطيل المؤسسات. الفقيه الدستوري الصادق بلعيد نبّه إلى أن تحويل الحصانة إلى حماية مطلقة يتناقض مع مبدأ المساواة أمام القانون، وهو مبدأ لا تقوم دولة حديثة بدونه.
في الأدبيات الدستورية، تُعتبر الحصانة البرلمانية وسيلة لحماية الوظيفة لا الشخص لكنها، كما يبيّن الفقيه الدستوري هانس كلسن، تفقد مشروعيتها “حين تتحوّل القاعدة القانونية من أداة تنظيم إلى أداة استثناء دائم، فإنها تتناقض مع مبدأ دولة القانون » (نظرية القانون الخالص). ولهذا القذف، الثلب، العنف، وتعطيل عمل المؤسسات ليست “آراء سياسية”، بل أفعال تُصنَّف في كل الديمقراطيات ضمن السلوكيات التي تستوجب المساءلة. والعنف لا يمكن أن يُدرج ضمن أدوات المعارضة.
يؤكد خبراء القانون الدستوري الذين ركزت نقاشاتهم نطاق الحصانة في الدراسات الحديثة على أن الممارسة العملية أحيانًا تُظهر أن الحصانة قد تُستخدم كوسيلة للتحايل على العدالة أو للهروب من المسؤولية. فقد أثارت لجان خبراء مثل لجنة فينيسيا في أوروبا تساؤلات حول أن بعض أشكال الحصانة الإجرائية يمكن أن تُستخدم بشكل يعوق سيادة القانون ويقوّض المساءلة، بدلًا من حمايتها.
وفي الخط نفسه، ترى الدراسات المقارنة أن الرقابة على الممثلين المنتخبين جزء لا يتجزأ من الديمقراطية نفسها، وأن قلب الحصانة إلى حاجة تغطي تجاوزات شخصية أو مؤسسية هو ما يُشكّل خطرًا حقيقيًا على ثقة المواطنين في الهيكل الديمقراطي العام.
حين يتجاوز الاختلاف السياسي حدوده، وتفقد القاعدة القانونية حيادها
من حقّ أي نائب أو مواطن أن يعارض النظام القائم، وأن ينتقد رئيس الدولة أو الحكومة أو السياسات العامة. هذا حقّ لا جدال فيه. لكن هذا الحق لا يمكن أن يتحوّل إلى رخصة مفتوحة للمسّ من كرامة الأشخاص أو تحقير مؤسسات الدولة.
في هذا الإطار، حذّر المفكّر الحقوقي ورئيس الجمهورية السابق منصف المرزوقي، في كتاباته المبكّرة، من أن فهم الحرية كتحلّل من كل قيد لا يقود إلى ديمقراطية أعمق، بل إلى فوضى تفتح الباب أمام نقيضها. فالحرية السياسية، دون حدّ أدنى من الأخلاق والمسؤولية، تتحوّل إلى أداة هدم لا إلى أداة تغيير وغياب أخلاقيات العمل السياسي لا يؤدّي إلى ديمقراطية راديكالية، بل إلى فوضى تفتح الباب أمام الاستبداد. ومن المفيد، في هذا السياق، التذكير بأن منصف المرزوقي نفسه، كان خلال فترة رئاسته من أكثر الشخصيات التي تعرّضت للقذف والشتم العلني، أحيانًا من أطراف متناقضة سياسيًا، ودون أي تمييز بين النقد السياسي والإهانة الشخصية. هذه المفارقة تكشف أن المسألة لا تتعلّق بالدفاع عن شخص أو موقع، بل بمبدأ عام « الإهانة لا تصبح مقبولة لأن المستهدف رئيس، ولا تصبح مرفوضة فقط عندما يتغيّر الموقع السياسي للضحية »، فالانزلاق إلى خطاب السبّ والتجريح لم يكن حكرًا على مرحلة سياسية دون أخرى، بل ظاهرة رافقت الانتقال الديمقراطي نفسه. وهو ما يؤكّد أن وضع حدود أخلاقية للاختلاف السياسي ليس تقييدًا للحرية، بل حماية لها من التحوّل إلى أداة هدم جماعي.
الاعتراض على النظام القائم، أو حتى السعي إلى تغييره جذريًا، حقّ سياسي مشروع. لكن هذا الحق لا يعلّق القيم الأخلاقية ولا القواعد القانونية. المفكّرة حنة آرندت ميّزت بوضوح بين الفعل السياسي والفوضى حين قالت: “الحرية لا تعني غياب الحدود، بل القدرة على الفعل داخل عالم مشترك تحكمه قواعد.” فالدولة ليست النظام، ولا تختزل في شخص الرئيس، لكنها أيضًا ليست ساحة مفتوحة للإهانة، وحماية المؤسسات لا تعني تقديسها، كما أن نقدها لا يبرّر تحقيرها. القانون، أي كان القانون، يفقد شرعيته حين يُطبّق بانتقائية. فإذا فُعّل مبدأ منع الإهانة فقط عندما يكون المتضرّر رئيس الدولة، وتُجاهل الإهانات حين يكون المستهدف نائبًا، أو قاضيًا، أو صحفيًا، أو مواطنًا عاديًا، فإننا لا نكون أمام دولة قانون، بل أمام أداة سياسية. ومن المفارقات أن هذا المبدأ عبّر عنه بوضوح قيس سعيّد نفسه، بصفته أستاذ قانون دستوري قبل الرئاسة، حين أكّد » أن القاعدة القانونية تفقد طبيعتها متى طُبّقت على البعض دون البعض الآخر ». هذا القول، بغضّ النظر عن المسار السياسي اللاحق، يظلّ قاعدة منهجية لا غنى عنها. يذكّرنا عالم الاجتماع بيار بورديو في كتابه (الهيمنة الذكورية) بأن « أخطر أشكال العنف هو العنف الرمزي الذي يُمارَس باسم القانون ذاته« . المحصلة اذا تكون: القانون حين يُستعمل بشكل انتقائي يصبح أداة هيمنة لا أداة عدالة
بين رفض المسار ووجوب الدفاع عن المبدأ
قد يختلف التونسيون جذريًا حول دستور 2022، وحول طريقة صياغته، وحول النظام السياسي الحالي. لكن ذلك لا يمنع من الاعتراف بأن بعض القواعد تعبّر عن حاجة حقيقية للدولة، لا عن خيار أيديولوجي. الفصل السادس والستون (66)، في جوهره، يعبّر عن فكرة بسيطة: لا حصانة للفوضى، ولا ديمقراطية دون مسؤولية.
الدفاع عن مبدأ مساءلة النائب عند القذف أو العنف أو تعطيل المؤسسات ليس دفاعًا عن دستور، ولا عن رئيس، ولا عن منظومة سياسية. بل هو دفاع عن فكرة الدولة كما فهمها مفكّرون تونسيون والغربيون من مشارب مختلفة « دولة تقوم على القانون، لا على الصراخ، وعلى المسؤولية، لا على الحصانات المطلقة »، هي محاولة لإنقاذ فكرة الدولة من الاستقطاب الأعمى.
فالديمقراطية لا تعيش بلا معارضة، لكنها أيضًا لا تعيش بلا حدود، ولا بلا مؤسسات محترمة. في زمن الاستقطاب، يصبح النضج السياسي هو القدرة على القول: نرفض المسار، ننتقد السلطة، لكننا لا نرمي كل القواعد في سلّة واحدة. بينما يظل السؤال الحقيقي ليس: من كتب هذا الفصل؟ بل هل نريد سياسة بلا حدود، أم دولة تستطيع حماية الاختلاف دون أن تتحوّل إلى فوضى؟
R. Massoud Hafnaoui
FoRB Expert | Interfaith Dialogue Specialist.
Head of Public Relations and Partnerships – TAMAGUIT
Former President & Co-founder Attalaki.

