الرئيسية A la une حمّة الهمامي ينشر نصا تقييميا لليسار ويطرح البديل السياسي (النص كاملا)

حمّة الهمامي ينشر نصا تقييميا لليسار ويطرح البديل السياسي (النص كاملا)

جدل حول الثورة والثورة المضادّة في تونس: من أجل وضع الأمور في نصابها

بقلم: حَمَّة الهَمَّامي
لا أحد يُمكنه أن ينكر حالة التردّي الذهنيّ التي أصبح عليها مجتمعنا. غاب الجدل الفكريّ والسياسيّ والاقتصاديّ والاجتماعيّ والثقافيّ بشكل شبه كلّي وغرق “الناس” في السبّ والشتم والتشهير وهتك الأعراض المتبادل عبر تدوينات أو فيديوهات مقرفة وفي أحسن الحالات ضحلة وتافهة. ولا يمكن إلقاء المسؤولية على منظومة قيس سعيد الشعبوية، الاستبداديّة فقط. فما من شكّ في أنّ هذه المنظومة صحّرت البلاد وعمّمت الرداءة والتفاهة. فرأس السلطة نفسه ظلّ على مدى سنوات يكرّر الجمل والعبارات نفسها المنتقاة من معجم التخوين والتهديد التي مجّها الجميع. أمّا وسائل الإعلام فقد تحوّلت إلى سوق لبيع “الطناجر”، هجرها الصِّحافيّون إمّا إلى السجن أو إلى المنفى أو إلى سوق البطالة ولم يبق فيها إلّا صنف من أردإ ما خلق إعلام الاستبداد عبر التاريخ. وهو يعمل في تناغم مع رهط من “صنّاع المحتوى” في الشبكة الاجتماعية لا يتقنون، نساء ورجالا، إلا الكذب والتلفيق والبذاءة والتملّق إمّا طمعا أو خوفا. وحين يضاف إلى ذلك كلّه المرسوم 54 والفصل 86 من مجلّة الاتصالات وأحكام قانون الإرهاب والتآمر وغيره من السيوف المسلّطة على الرقاب فمن السهل أن نفهم أيّ مناخ عام تعيش بلادنا في مثل هذا الوضع بل من السهل أن نفهم أن الرأي العام الذي ينتجه هذا المناخ لا يمكن إلّا أن يكون غوغائيّا ومتخلّفا.
ولكنّ الرأي العام وإن كان يصنعه ويؤطّره نظام الحكم فذلك لا ينفي بالمرة دور القوى المضادّة لهذا النظام في داخل المجتمع فهي المنوط بعهدتها مقاومة الرداءة والتخلّف والانحطاط ونشر وعي مضادّ في صفوف الشعب متحدّية كل المعوّقات سواء ما تعلّق منها بالقوانين القمعيّة والمحاكمات الجائرة أو ما تعلق منها بالصدّ الذي تجده الأفكار الجادة والجديدة من قبل حتى من هي في صالحهم أي أبناء وبنات الفئات الكادحة والشعبيّة التي أثّرت فيها الأيديولوجيّة الرسميّة إلى جانب السموم التي تنشرها البورجوازيّة العالميّة عبر الشبكة الاجتماعيّة التي أصبحت متاحة للجميع والتي يتحكّم فيها أباطرة المال والأعمال والسلاح. ولكنّ المشكل هو أنّ العدوى وصلت في تونس إلى من يقدّمون أنفسهم معارضة لنظام قيس سعيّد وبديلا له. فالعديد من هؤلاء إمّا أنّهم سقطوا في نفس أساليب “أنصار المسار” في السب والشتم والتشهير أو أنّهم اكتفوا بردّ التهم الموجهة إليهم بحجج غير مقنعة في الغالب أو بالتشهير بجرائم النظام التي صارت معلومة لدى العام والخاص بفضل وسائل التواصل الاجتماعي. ولكن ظلّ الجدل حول فهم واقعنا المتأزّم والأسباب التي أوصلتنا إليه والبدائل المتاحة لتجاوزه ضعيفا للغاية بل مُغيّبا في الكثير من الأحيان بذريعة أنّ “الأولويّة اليوم لمقاومة الاستبداد… ويوم يسقط الاستبداد سنقيّم ونناقش البدائل” وهي فكرة مغلوطة من الأساس كما سنبيّن في الفقرات الموالية.
ـ(2)ـ
إنّ تقييم العشر سنوات التي تلت الثورة ومهّدت لانقلاب قيس سعيّد، مسألة أساسيّة وهو لا يُلهي بالمرّة، كلّ من كانت بوصلته واضحة، عن مواجهة الاستبداد الذي ركّزه هذا الانقلاب بل يعزّزها في حين أنّ رفض التقييم ينتفع منه قيس سعيّد وأنصاره لأنّه يسمح لهم بمواصلة ترويج ما يشتهون من الأكاذيب حول ما يسمّونه “العشريّة السوداء” والتأثير في فئات واسعة من الشعب التونسي التي لا تريد “العودة إلى الوراء”. فهذه الفئات من حقّها أن تعرف كيف أُجهِضت ثورتها وسُرِقت منها أحلامها ووجدت نفسها تعيش في أزمة متفاقمة. وما من شكّ في أنّ كل القوى الفاعلة في تلك العشريّة مطالبة بالتقييم بعيدا عن التعتيم والمغالطة والتهرّب من تحمّل المسؤولية. لقد تشكّلت مباشرة بعد سقوط بن علي “الهيئة الوطنيّة لحماية الثورة” التي كانت تضم كل قوى المعارضة السياسيّة والنقابيّة والحقوقية والنسائيّة والشبابيّة وكان دورها مناقشة سبل تطوير الثورة من أجل اجتثاث الاستبداد والدكتاتورية، ولكن سرعان ما تمّ الالتفاف عليها من قبل ما سمّي وقتها “الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي” التي تشكلت “في الغرف المظلمة” في مارس 2011 والتحقت بها جل الأحزاب والمنظمات عدا حزب العمال وبعض الأطراف القومية واليسارية والمجموعات الشبابية الثورية. وقد قبلت هذه الهيئة بدور استشاري، لا تنفيذيّ ولا رقابيّ، في وجه حكومة الباجي قائد السبسي العائد من بعيد والتي تولّت، بطلب منه، كافة السلطات التنفيذية لمدة أشهر وأعدّت لانتخابات المجلس الوطني التأسيسي في أكتوبر 2011. وكان من بين الخطوات الأولى التي اتخذتها قمع تجمّع “القصبة 3” وتهميش نواتات “لجان حماية الثورة” التي ظهرت في الأحياء والمدن والقرى واستعادة السيطرة على الوضع عن طريق البوليس والجيش وهو ما أدّى تدريجيا إلى احتواء الثورة وحصرها عمليا في تغيير شكل السلطة دون المساس بمحتواها الطبقي. وقد جاءت نتائج المجلس الوطني التأسيسي لتكرّس هذا الاتجاه وتفرّخ بعد صدور الدستور حكومات عدّة لم يكن لها من دور سوى مواصلة الالتفاف على ثورة الشعب.
إنّ الأحزاب التي حكمت بعد انتخاب المجلس الوطني التأسيسي هي التي تتحمّل أوّلا وأساسا مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع من تدهور وتعفّن مهّد لانقلاب 25 جويلية 2021 لأنّ تلك الأحزاب هي التي كانت بيدها كل السلطات وخاصة منها السلطة التنفيذية والتشريعية، هي التي كانت تضع السياسات وهي التي كانت تنفّذها. لقد حكمت “الترويكا” المكوّنة من حركة النهضة وحزب المؤتمر من أجل الجمهوريّة والتكتل الديمقراطي ما بين 2011 و2014 وكانت لها كل السلطات، رئاسة الحكومة ورئاسة الجمهورية ورئاسة البرلمان. ولكنّ اختياراتها كانت فاشلة لأن همّها كان الاستيلاء على السلطة لا تغيير النظام برمته الذي ثار ضدّه الشعب. وفي الفترة الممتدة من 2014 إلى 2019 حكم البلاد تحالف “نداء تونس/حركة النهضة” بمشاركة من الاتحاد الوطني الحر (3 وزراء) وآفاق تونس (3 حقائب وزارية) في مرحلة حكومة الحبيب الصيد. وكان هذا التحالف يتمتّع بـ183 مقعدا في البرلمان من بين 217 مقعدا أي بأغلبية مطلقة تسمح له بتمرير ما يريد من سياسات. أما في المرحلة الثانية وهي مرحلة حكومة الوحدة الوطنية برئاسة يوسف الشاهد فقد تواصل تحالف “نداء تونس/حركة النهضة”، الأول بـ12 حقيبة والثاني بـ8 حقائب، بمشاركة وزراء من أحزاب “آفاق تونس” (4 حقائب) والمسار الديمقراطي الاجتماعي (حقيبة واحدة) والحزب الجمهوري (حقيبة واحدة) وحزب المبادرة الوطنية (حقيبة واحدة) إضافة إلى عدد من المستقلّين. وبعد انتخابات 2019 تشكلت حكومة أولى برئاسة إلياس الفخفاخ حصلت فيها حركة النهضة على 6 حقائب وزارية والتيار الديمقراطي على 3 حقائب وزارية وحركة الشعب وحركة تحيا تونس (حزب يوسف الشاهد المنشقّ عن نداء تونس) وكتلة الإصلاح الوطني، حقيبتان لكل واحدة منها. وبعد استقالة حكومة الفخفاخ خلفتها حكومة هشام المشيشي “المستقلّة” التي دعمتها في البرلمان كتل حركة النهضة وقلب تونس وائتلاف الكرامة وتحيا تونس ونواب آخرون وهو ما جعلها تتمتّع بأغلبية مريحة بـ134 صوتا من بين 217 صوتا وقد جاء انقلاب 25 جويلية 2021 ليحل هذه الحكومة ثمّ البرلمان ويرسي حكم الفرد المطلق.
لقد حرصنا على تقديم هذه التفاصيل حتى نذكّر بمختلف الأحزاب والقوى التي شاركت في مختلف التركيبات الحكومية التي قادت البلاد خلال العشريّة التي عقبت الثورة والتي يتحمّل جميعها، وفي مقدّمتها حركة النهضة التي لم تغب عن أي حكومة سواء بالحضور المباشر أو بالدعم كما هو الحال بالنسبة إلى حكومة هشام المشيشي “المستقلة”، مسؤولية السياسات التي أدت إلى الالتفاف على ثورة الشعب التونسي ومهّدت لانقلاب 25 جويلية 2021. فهذه الأطراف كانت تحكم بأغلبية كبيرة وكانت هي التي ترسم السياسات وتتصرف في البلاد. في ذلك الوقت كان حزبنا، حزب العمال، يعارض سواء بمفرده أو كمكوّن من مكونات الجبهة الشعبية تلك السياسات وينبّه إلى أنّها ستقود البلاد إلى الهاوية وصوّت في البرلمان ضد مختلف الميزانيات والقوانين التي لا تخدم مصلحة الشعب وضد سياسة الاقتراض والتبعية وضد الاتفاقيات الماسة بالسيادة الوطنية وضد الاصطفافات في السياسة الخارجية سواء كان وراء قطر وتركيا أو وراء الإمارات ومصر والسعودية أو الجزائر وضد الهيمنة الاستعمارية الغربية الخ… وكان يؤكّد دائما أن حكومات ما بعد الثورة تواصل خدمة مصالح الأقليات الثرية الريعية نفسها والدول والشركات الاستعمارية والمحاور الرجعية التي تهيمن على تونس فبأيّ حقّ نسمع اليوم البعض مما كانوا يحكمون أو من “المستقلّين” الذين كانوا يسندونها أو من أتباع “المسار الانقلابي” يردّد “كلّنا مسؤولون” فهذه مغالطة لا هدف منها سوى التملّص من المسؤوليّة ومحاولة تحميلها لمن لا يتحمّلها مع علم أنهم كانوا يستهزئون بحزب العمال والجبهة الشعبية ويسمونهما بـ”جماعة صفر فاصل” ولا يعيرون أهمية لمواقفهم ظنّا منهم، وهو ما صرّح به بعضهم في العلن، أنهم سيحكمون البلاد لعشرات السنين (30 سنة على الأقل قال أحدهم). والأدهى والأمرّ أن معظم هؤلاء الذين يرددون اليوم هذا الكلام هم من أوصل قيس سعيّد إلى قصر قرطاج باعترافهم. لم يحصل سعيد في الدورة الأولى إلّا على 620.771 صوتا بنسبة بلغت 18.40 بالمائة. أمّا في الدور الثاني فحصل على 2.777.931 صوتا بنسبة بلغت 72.71 بالمائة في مواجهة رئيس حزب قلب تونس نبيل القروي. وقد أعلنت كل من حركة النهضة والحزب الجمهوري والتيار الديمقراطي وحركة الشعب والاتحاد الشعبي الجمهوري وحزب الحراك (حزب منصف المرزوقي) والمؤتمر من أجل الجمهورية وتيار المحبة (جماعة العريضة الشعبية سابقا بزعامة الهاشمي الحامدي) وائتلاف الكرامة وقائمات “أمل وعمل” (يقودها النائب ياسين العياري) دعمها للمرشّح قيس سعيّد في الدور الثاني. وبرّرت غالبية هذه الأطراف موقفها بكون سعيّد يمثّل “المسار الثوري” في مواجهة ممثّل “منظومة الفساد السابقة للثورة…”.
وفي المقابل فإن موقف حزب العمال كان واضحا إذ دعا في بيانه المؤرخ في 10 أكتوبر 2019 إلى مقاطعة الدور الثاني حتّى لا يقع إضفاء الشرعيّة “على عملية انتخابية مشوبة بالانتهاكات والخروقات والغموض وعلى رئيس مقبل لا يقدّم أيّة ضمانة لمستقبل تونس وشعبها” وأشار في هذا الصدد إلى أنه لا أحد من المرشّحين قدّم “مشروعا يوفّر الحدّ الأدنى من الضمانات لحماية السيادة الوطنية وصيانة مكتسبات الشعب التونسي الديمقراطية وتحقيق ولو جزء من مطالبه وانتظاراته الملحة”. وختم حزب العمال بيانه حول الدور الثاني بهذا الموقف: “إن موقف المقاطعة سيكون رسالة إلى الرئيس الجديد، أيّا كان، حتى لا يدّعي أحقّية أو شرعيّة نابعة من أغلبية التونسيّات والتونسيين استهداف دستورهم وحريتهم ومكاسبهم وحقوقهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وسيادة وطنهم”. وليس من الصعب اليوم إدراك أن ما نبّه إليه حزب العمال هو الذي حصل فقد ادّعى قيس سعيّد أنّه “نال تفويضا شعبيا غير مسبوق” لينقلب على الدستور وعلى شركائه في الحكم ويتصرف في الدولة والمجتمع كما يريد ويشتهي. كما أنّه ليس من الصعب أن يلاحظ كل متتبع للشأن العام أن زعماء الأحزاب والكتل الذين ساندوا بحماس قيس سعيّد في الدور الثاني للانتخابات الرئاسية سنة 2019 يوجدون الآن خلف القضبان ونقصد راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة وغازي الشواشي الأمين العام لحزب التيار الديمقراطي في ذلك الوقت وعصام الشابي الأمين العام للحزب الجمهوري وسيف الدين مخلوف زعيم كتلة ائتلاف الكرامة ولطفي المرايحي زعيم حزب الاتحاد الشعبي الجمهوري. أمّا منصف المرزوقي فهو يعيش اليوم في المنفى محكوما بعشرات السنين سجنا في قضايا باطلة وملفقة مثله مثل العديد من المنفيين قسرا.
ـ(3)ـ
توجد فكرة أخرى كثيرا ما نسمعها تتردّد وهي لا تخرج عن السياق التبريري نفسه الذي تطرقنا إليه في الفقرة السابقة. فالكثير ممّن حكموا في العشرية التي عقبت الثورة سواء كانوا ينتمون إلى حركة النهضة أو نداء تونس أو بعض الأحزاب الأخرى لا يتوقفون عن الادعاء بأنّهم ليسوا مسؤولين عن فشلهم الذي ينسبونه إلى الذين “حطّولهم العصا في العجلة”، وهم يقصدون الأحزاب والقوى التي عارضتهم كما يقصدون الاتحاد العام التونسي للشغل ومنظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام والأغرب من ذلك أنّني سمعت في المدّة الأخيرة أحد أنصار حركة النهضة يصرّح أنّها لو توفّرت لها ظروف الحكم الفردي المطلق نفسها التي توفّرت لقيس سعيّد (يرتع وحدو) لـ”نجحت في تنفيذ برامجها”، دون أن يقول لنا ما هي تلك البرامج وما هي طبيعتها لأنّ الاستبداد ليس إلّا إطارا لتنفيذ سياسات معادية للشعب؟ وفي كل الحالات فإنّ مثل هذا المنطق الذي يبرّر فيه أصحابه فشلهم بالعراقيل التي وضعتها في طريقهم المعارضة لا نسمعه حتى في بلد ديمقراطي، ليبرالي، بورجوازي لأن الحزب أو الائتلاف الحزبي الذي يحكم في بلد ديمقراطي، فيه تعددية حزبية وإعلامية ومنظمات وجمعيات نقابية ومدنية ونخب ثقافية يعرف جيّدا أن المعارضة ستعارضه وأن الصحافة ستنقده بهذه الدرجة أو تلك وأن النقابات ستدافع عن مصالح منظوريها وأن المنظمات الحقوقية والإنسانية سترصد كل انتهاك يُرتكب في الوقت الذي ينفّذ فيه هو برنامجه… أمّا عندنا نحن حيث الديمقراطية لم تتحول بعد إلى جزء من ثقافة مجتمعنا وهويته فإنّنا نجد من الأحزاب من لا يقرأ حسابا في مفاهيمه لوجود معارضة لأنّه في نهاية الأمر حزب لا يؤمن بالديمقراطيّة ويعتبرها مجرّد مطية للوصول إلى الحكم لتنفيذ برنامج أو برامج استبدادية وبالتالي لا يرى فيها وسيلة وإطارا لتحرير الفرد والمجتمع من كافة المعوّقات التي تحول دون تقدمه وازدهاره. وبعبارة أخرى فإذا كانت الأحزاب التي حكمت خلال العشريّة التي تلت الثورة وفي مقدمتها حركة النهضة قد فشلت فشلا ذريعة في إدارة شؤون البلاد والمجتمع فالسبب الرئيسي لا يكمن في وجود معارضة أو نقابات أو وسائل إعلام مناوئة لها بل إنه يعود إلى خيارات تلك الأحزاب التي لا تلبّي مطالب الطبقات والفئات الكادحة والشعبية التي ثارت على الدكتاتورية والتي (وهذا ما تتناساه تلك الأحزاب) منحتها في البداية ثقة كبيرة ورأت في معارضيها “شياطين” و”كفرة وملاحدة” فكانوا عرضة لحملات فايسبوكية من قبل أنصار أحزاب الحكم الرئيسيّة وقتها لا تختلف في شيء عن حملات أنصار “المسار” اليوم بما فيها من تشهير وتشويه وأكاذيب لتضليل الرأي العام. لكن مع الوقت وبالممارسة تبيّن لفئات واسعة من الشعب أنّ من منحتهم ثقتها لا يدافعون عن مصالحها سواء تغلفوا بقشرة أيديولوجية دينية أو ديمقراطية ليبرالية فانتفضت عليهم وصفّقت لانقلاب قيس سعيّد ظنّا منها أنه سيكون “المخلّص” من الاستغلال والفساد المستشري فإذا به لا يختلف عن سابقيه إن لم يكن أسوأ منهم في أكثر من مجال وإذا بها تُغيّر مزاجها تدريجيّا لتنقلب عليه.
وهنا نأتي إلى الجانب الثاني من المسألة لنطرح السؤال التالي: ما هي السياسات والخيارات التي اتبعتها الائتلافات الحزبيّة التي حكمت بلادنا بعد الثورة وفيها مصلحة للطبقات والفئات الكادحة ومنعتها المعارضة السياسية والنقابات ومنظمات المجتمع المدني الأخرى من تنفيذها؟ هل كان على هذه القوى أن تترك حركة النهضة وحلفاءها يحيدون بالثورة عن أهدافها في الحرية والديمقراطية ويؤسسون دولة تيوقراطية استبدادية وفاشية؟ هل كان عليها أن تبقى تتفرّج على مبعوثي الأمريكان وفرنسا وألمانيا وغيرهم من دول الاتحاد الأوروبي وبلدان الخليج وهم يرتعون في بلادنا لإجهاض ثورتها وهندسة نظام لا يقطع مع التبعيّة لهم؟ بل هل كان بمقدور كلّ هذه الدول أن تقوم بدورها التخريبي وتنجح في الانقضاض على مكاسب الثورة وتفسد الحياة السياسية وترسّخ التبعيّة لولا تواطؤ الأطراف الحاكمة وقتها؟ هل كان على قوى المعارضة الديمقراطية التقدمية أن تبقى تتفرّج على جحافل شيوخ التكفير وهم ينزلون في مطارات تونس مكرّمين مبجّلين لزرع الفتنة والكراهية في صفوف الشعب التونسي الذي ناضل من أجل شيء لا علاقة له بتجارة الدين التي برع فيها هؤلاء خدمة لأمريكا والكيان النازي؟ هل كان عليها أن تُصفّق للميليشيات التي بدأت تتكوّن هنا وهناك لمراقبة المواطنين وتكفيرهم ومحاكمتهم وممارسة الحدّ عليهم حتى بالقتل (حادثة ديبوزفيل) والبدء بتقسيم تونس إلى إمارات (كانت إمارة سجنان أولاها)؟ هل كان عليها أن تُهلّل للقمع الذي حصل يوم 9 أفريل 2012 في شارع بورقيبة بمشاركة مباشرة من عناصر مليشياوية إلى جانب البوليس أو لضرب أهالي سليانة بالرشّ الذي ترك إصابات كثيرة بين المواطنين ولم يتورّع وزير الداخلية آنذاك عن التصريح بأن استعمال الرش كان في إطار التجربة؟ هل كان لها أن تبقى تتفرّج على أنصار الشريعة وهم يصولون ويجولون ويشكلون المجموعات الإرهابية في المناطق الجبلية وحين يسأل الوزير عما يحدث يجيب بأن “الجماعة يقومون بتدريب رياضي”؟ هل كان على تلك القوى أن تترك المجتمع يأكله الإرهاب بعد اغتيال الشهيدين شكري بلعيد ومحمّد البراهمي وغيرهما من المناضلين والأمنيين والعسكريين والمواطنين؟ هل كان عليها أن تصفّق لتدمير السلطة القضائية وتوظيفها وإغراقها في الفساد؟ هل كان عليها أن تتخلّى عن مكتسبات المرأة التونسيّة وتعود بها إلى الوراء بعنوان “التكامل” بين الرجل والمرأة؟ هل كان على الاتحاد العام التونسي للشغل أن يستسلم لبعض الميليشيات الفاشية ويتركها تتحكّم في مصيره ذات يوم 4 ديسمبر 2012 عشية الاحتفال باغتيال حشاد؟ ألم تبعث حركة النهضة نقابة عمّالية لمنافسة الاتحاد العام التونسي للشغل وفشلت في ذلك؟ ووسائل الإعلام متى غَيَّبتْ ممثّلي الأحزاب الحاكمة في برامجها السياسية؟ ألم يكن لكل منها “كرونيكور” دائم الحضور “يخيّط ويفصّل” كما يريد؟ هل قدّمت حركة النهضة وحلفاؤها مثلا مشروع قانون لتجريم التطبيع ورفضته المعارضة أم أن العكس هو الذي حصل إذ أن الترويكا رفضت تجريم التطبيع في دستور 2014 كما أنها رفضت هي وحليفها، “نداء تونس”، مناقشة المشروع الذي قدّمته الجبهة الشعبيّة سنة 2015؟ ومن منع حزبي “النداء/النهضة” من تشكيل المحكمة الدستورية المنصوص عليها في دستور 2014 عدا الحسابات الحزبية الضيقة؟ ومن منعهما أيضا من مراجعة قانون المحكمة العسكريّة والقوانين القمعية الموروثة من عهدي بورقيبة وبن علي ومنها قانون حالة الطوارئ؟ وهل كان على المعارضة والقوى التقدميّة أن تبقى تتفرّج على منظومة حكم بعضها يصطفّ وراء قطر وتركيا وبعضها الآخر (الباجي قايد السبسي) وراء السعودية والإمارات؟ وهل تحركت حركة النهضة والأحزاب الأخرى الموجودة في الحكم ضدّ نداء تونس ورئاسة الجمهوريّة حين أمضى الباجي قايد السبسي ومستشاره الخاص محسن مرزوق اتفاقية مع إدارة أوباما تجعل من تونس حليفا أساسيا غير عضو في الناتو إلى جانب الكيان الصهيوني؟ إن الأمثلة كثيرة وكثيرة بما في ذلك في فترة 2019-2021 التي أصبح فيها البرلمان حلبة للصراعات وتصفية الحسابات التي كان الكثير منها يدار من خارج قبّة البرلمان بل حتى من خارج تونس، ولكن المهمّ في كل ذلك أنّ التوجّهات السياسيّة العامة لمنظومات الحكم التي عقبت الثورة كانت توجهات لا علاقة لها في الجوهر بثورة الشعب التونسي وأنّ المعارضة الثورية والتقدمية والشعبية يُحسب لها أنّها في السنوات الأولى خاصة تصدّت لمحاولات الانحراف بالثورة نحو استبداد من نوع جديد، وبالتالي إذا كانت وضعت عصا فليس في عجلة الثورة بل في عجلة الثورة المضادة وهي ليست في حاجة إلى دروس من أيّ كان فالمواقف والوثائق موجودة لتشهد على ذلك. وإذا كان ثمّة من وُظّف في وقت من الأوقات أو سقط عن جهل وغير دراية في “التبلعيط” أو في مواقف لم يكن مقتنعا بها ويرغب اليوم في الاعتذار عنها فذلك شأنه وليس شأننا والمهمّ أن لا يعود في يوم آخر للاعتذار عن الاعتذار.
لنواصل. ما هي البرامج والمشاريع الاقتصادية التي قدمتها الائتلافات الحاكمة خلال العشرية التي عقبت الثورة وفيها مصلحة للعمال والكادحين والفقراء والمعطلين عن العمل وتصدت لها أحزاب المعارضة التقدمية واتحاد الشغل؟ ألم تواصل هذه الائتلافات الخيارات النيوليبرالية المتوحشة نفسها التي سار عليها بن علي وثار ضدها الشعب التونسي؟ هل خفّفت من التبعية للخارج أم فاقمتها: هل خفّضت من المديونية العمومية التي بلغت في نهاية حكم بن علي حوالي 26 (35 على ما أذكر) مليار دينار أي ما يمثل 40 بالمائة من الناتج المحلي الخام أم أنها تضاعفت حوالي أربع مرات في نهاية الثلاثي الثاني من سنة 2021 لتبلغ حوالي 103 مليار دينار و679 مليون دينار أي ما يمثّل 79.2 بالمائة من الناتج المحلي الخام (وقد بلغت اليوم مع قيس سعيّد 141 مليار دينار وهو ما يمثل 82 إلى 82.9 بالمائة من الناتج الداخلي الخام)؟ هل خفضت من عجز الميزان التجاري الذي بلغ 8298 مليون دينار سنة 2010 أم فاقمته ليتضاعف تقريبا (16.215.1 مليون دينار سنة 2021 وقد بلغ 21800.3 سنة 2025)؟ ماذا أمّمت تلك الائتلافات من ثروات وشركات؟ وما هي الاتفاقيات غير المتكافئة التي ألغتها أم أنها حافظت على القديم وزادت أخرى جديدة مع تركيا وغيرها؟ ماذا قدّمت من مشاريع لإصلاح الفلاحة في تونس والرفع من مستوى عيش الفلاحين الفقراء والصغار وتحقيق الأمن الغذائي؟ ألم تَقْضِ معظم الحكومات وقتها في البحث عن مستثمرين خليجيّين وغيرهم لاستغلال الأراضي الدوليّة ورفضت توزيع مقاسم منها على الشباب التونسي؟ وماذا أنجزت للصناعة التونسية وخاصة للمؤسّسات الصغرى والمتوسطة التي ظلّت تنهار تباعا بأعداد كبيرة؟ هل تحسّنت الخدمات العامة من تعليم وصحّة ونقل وثقافة فضلا عن البيئة أم واصلت الانحدار الذي بدأ مع بن علي؟ هل حسّنت أجور العمّال والأجراء على الأقل بالقدر الذي يسمح بتغطية التدهور الحاصل في مقدرتهم الشرائية؟ هل حدّت من البطالة التي كانت في مستوى 13 بالمائة سنة 2010 فإذا بها تقفز إلى 18.4 سنة 2021 والتي كان الشباب، وفي مقدمته أصحاب الشهائد العليا، وما زال ضحيتها الأساسيّة؟ وهل حدّت من نسبة الفقر والبؤس والجريمة والهجرة غير النظامية (الحرقة) وهجرة الكفاءات؟ ألم تتعمّق كل هذا المظاهر التي كانت سببا من أسباب الثورة على بن علي؟ وهل تراجع الفساد عما كان عليه في عهد هذا الأخير؟ ألم تكن تونس تحتل سنة 2010 المرتبة 59 عالميا من بين 178 دولة فأصبحت سنة 2021 في المرتبة 70 عالميا من بين 180 دولة حسب منظمة الشفافية العالميّة (مع العلم أن الفساد تفاقم مع قيس سعيد بوصول تونس إلى المرتبة 91/92 عالميا من بين 182 دولة؟ أليس السبب في كل هذا يعود كما قلنا في البداية إلى كون الحكومات المتعاقبة بعد الثورة أدارت ظهرها لمطالب الشعب وحافظت على نفس نمط الإنتاج النيوكولونيالي المتأزم أصلا واستمرت في خدمة الأقليات الثرية نفسها التي خدمها نظام بن علي وهو ما أدى إلى تفاقم الأوضاع مع أزمة كوفيد 19 الأمر الذي استغلّه قيس سعيد بدعم من الأجهزة الصلبة والمحور الإقليمي المصري السعودي الإماراتي وبعض العواصم الغربية (باريس، روما…) للقيام بانقلاب 25 جويلية 2021 بعنوان “تصحيح المسار الثوري” وهو في الواقع للالتفاف على ما تبقى من ذلك المسار وتصفية المكاسب الديمقراطية للثورة على محدوديتها.
كل هذا ينبغي أن يخضع للنقاش والجدل العلني وليس بين أربعة جدران لأنه يهمّ شعبا بأكمله لا بعض الأحزاب والجمعيات والشخصيات فحسب. وحين نتحدّث عن هذا الجدل والنقاش فهو بعيد كل البعد عمّا يأتيه أزلام “المسار” من كلام عمّا يسمّونه “العشرية السوداء” لتبرير انتهازيتهم المقرفة والحال أنّ معظمهم كان من بين المنتفعين الأوائل من “مغانم” هذه العشرية فتمتّعوا بما توفّر فيها من حريات افتكها الشعب بدمه بينما كانوا يعيشون كالأرانب في عهد بن علي ولم يتجرّأوا على رفع أصواتهم ضدّه ولم يسهموا في إسقاطه، كما أنّ فيهم من حضر في كافة البرلمانات بما وفّرته له من منح ومنافع والأهم من ذلك أن فيهم من شارك في هذه الحكومة أو تلك من حكومات “العشرية السوداء” إلى جانب حركة النهضة التي لم تعترض على وجوده فصحّ عليه المثل الشعبي “ياكل في الغلّة ويسبّ في الملّة”. لكنّ مأساة هؤلاء أنّ “العشرية” التي يصفونها اليوم بأبشع النعوت جادت عليهم على الأقل ببعض الفتات أمّا قيس سعيّد الذي يؤلّهونه فإنّه لم يلتفت إليهم ولم يُجازهم بشيء على ولائهم بل إن بعضهم وجد نفسه في سجن المرناقية إلى جانب من كان يصفهم بالخونة والمتآمرين والعملاء. إنّ حزب العمال، لمن لم يطّلع على وثائقه، لم يكتف بنقد الآخرين فحسب بل قيّم تجربته وتجربة الجبهة الشعبيّة في أكثر من مناسبة ووقف عند نقاط ضعفه وضعف الأحزاب اليساريّة الثوريّة والتقدميّة. إنّ “خطيئة” الجبهة الشعبية بمن فيها حزب العمال هو أنّها تحوّلت في وقت من الأوقات إلى كتلة برلمانية وأهملت العمل في صفوف الشعب ولم تَسْعَ إلى تنظيم صفوفها في كافة المستويات لتفرض نفسها بديل حكم وخضعت لابتزاز بعض الأطراف الانتهازية داخلها التي كانت تدافع عن “الدخوليّة” وتنسّق مع القصبة أو قرطاج لضرب وحدة الجبهة وخطها النضالي طمعا في منصب. وبعبارة أخرى فإذا كان لحزب العمال والقوى الثورية من مسؤولية في ما جرى فهي تتمثل، حسب رأينا، في كونهما فشلا في التصدي لقوى الثورة المضادة بجناحيها الديني والليبرالي التي تمكّنت من إعادة إنتاج النظام الطبقي السابق نفسه بخياراته اللاوطنيّة واللاشعبيّة.
فليتناقش الناس وليتجادلوا وهو أمر لن يوقف التصدي، لمن يروم ذلك، لسلطة الانقلاب. إن حزب العمّال يناهض الظلم بشكل مبدئيّ وصارم، مهما كان المصدر ومهما كان الضحيّة. ذلك شيء. أمّا تقييم الخيارات والتجارب وتحميل المسؤوليات فهو شيء آخر. لا مجاملة في السياسة حين تكون مصالح وطن وشعب في الميزان فالنزاهة الفكريّة تقتضي قول الأشياء بأسمائها وهو في نظرنا عامل قوّة وليس عامل ضعف وهو يعيد إلى السياسة معناها وجديتها بعد أن أصبحت لسنوات طوال ولا تزال، في ظل موجة شعبويّة عالميّة، جارفة، مجرّد “تبلعيط” وانتهازيّة وكذب وتدجيل على الناس لمغالطتهم والتحكّم في رقابهم.
لنواصل.
ـ(4)ـ
المسألة الأخيرة التي نريد إثارتها تتعلّق بالبديل لمنظومة قيس سعيّد وما نلاحظه في هذا الصدد هو الهروب من مناقشة هذه المسألة بحجّة أنّها ستُفاقم الخلافات وتحول دون “تجميع الصفوف ضدّ الانقلاب” وهو كلام فارغ لأنّ الطبقات والفئات الشعبيّة المتضرّرة اليوم من نظام قيس سعيّد تريد أن تعرف ومن حقّها أن تعرف بعد أن غُدر بها أكثر من مرّة ما هي الخيارات السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة التي تطرح عليها للخروج من الأزمة الخانقة الحاليّة وما هو الدور الذي سيكون لها في نقاشها وتحديدها؟ لا يمكن حصر “البديل” في الجانب السياسيّ وتحديدا في “المجلس” أو “الهيئة التنفيذية” أي “الحكومة المؤقّتة” التي ستشرف على المرحلة الانتقالية، مع العلم أنّ هذه المسألة ذاتها تستحق النقاش: ما هي طبيعة هذه “الهيئة التنفيذية” وتركيبتها؟ وكيف ستعيّن؟ هل بشكل فوقي، بيروقراطي، معزول عن جمهور الشعب أم أنّ هذا الجمهور سيكون له رأي فيها، مباشرة أو عبر تنظيماته الذاتيّة حتى لا تبقى مجرد تفاهمات فوقيّة بين قوى سياسيّة لا تهمّها سوى مصلحتها؟ ثمّ ما هي المهمّات التي ستناط بعهدتها؟ وإلى ذلك ما هي الإجراءات الاقتصاديّة والماليّة والاجتماعية التي ينبغي أن تُتّخذ لإنقاذ البلاد وتجنيبها الكارثة وتعبيد الطريق نحو خيارات جديدة تقطع مع الخيارات القديمة التي ظلّت تعاني منها البلاد على مدى عقود؟ لماذا يُراد اجتناب الخوض في هذه القضايا؟ أم المطلوب “يطيح قيس سعيّد وبعد كلّ واحد يضرب على صلّاح بلادو”؟ هذا المنطق لا يناسب إلّا القوى التي لا يهمّها سوى الاستيلاء على السلطة وتعويض منظومة بمنظومة قد تختلف عنها في الشكل (الانتقال من الدكتاتوريّة إلى منظومة ليبراليّة مغشوشة) ولكن بالخيارات النيوليبراليّة المتوحّشة نفسها مع بعض “الرتوش” في أقصى الحالات.
إن الشعب التونسيّ لا مصلحة له بأيّ شكل من الأشكال أن يجد نفسه ضحيّة نفس نمط الإنتاج النيوكولونياليّ الذي استنفد طاقته ولم يعدْ له ما يقدّم سوى إعادة إنتاج التبعيّة والبطالة والفقر والبؤس والمرض والجهل في سياق أزمة عالمية تعصف بالنظام الرأسمالي في مراكزه الأساسية وتقوّي نزوعه إلى مزيد من الغطرسة والعدوان والحرب. وهو ما عشناه خلال السنوات العشر التي عقبت الثورة كما أشرنا إلى ذلك أعلاه إذ تدهورت كل المؤشرات عما كانت عليه في آخر أيام بن علي الذي ثار عليه الشعب. وهو ما نعيشه اليوم مع قيس سيعيّد وإن كان بأشكال أفظع إذ تؤكّد الأرقام اتجاه الأمور إلى مزيد التدهور وهو ما لا يمكن تفسيره فقط بالفوضى المتبعة في إدارة الشأن العام وبعدم الكفاءة التي تميّز المنظومة وإنما أيضا بالاستمرار في الخيارات نفسها. وهو ما يعني أنّ إسقاط منظومة الاستبداد لا تقف عند حدّ الجانب السياسي الذي يهم الحريات وإنما يتعدّاه إلى الجانب الاقتصادي والاجتماعي. إن تونس في حاجة إلى نمط إنتاج جديد يطوّر القوى المنتجة في المدينة والريف ويؤدّي إلى وفرة في الثروة بما يسمح بتمويل مشاريع التنمية الصناعية والفلاحية والخدماتية وبتوفير الشغل للمعطّلين عن العمل والقضاء على الفقر والبؤس وتطوير الخدمات العامة من صحة وتعليم ونقل وسكن وتوفير بيئة سليمة لكافة المواطنين والمواطنات. وفي هذا السياق قدّم حزب العمال في العديدين الأخيرين من صحيفته المركزية (صوت الشعب، العددان 139 و140) نظرة متكاملة لتصوّره للفترة الانتقاليّة ما بعد سقوط سلطة الانقلاب وهو يطرحها للجدل والنقاش العام.
إنّ نقاش القضايا الأساسيّة الفكريّة والسياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة والبيئيّة التي تهمّ شعبنا وبلادنا، سواء ما تعلّق منها بتقييم العشر سنوات التي عقبت الثورة أو السنوات الخمس الأخيرة التي عقبت الانقلاب أو ما تعلق منها بالتصورات التي تهم إخراج بلادنا من الأزمة وتجنيبها الكارثة المحدقة، أهمّ ألف مرّة من إضاعة الوقت في السبّ والشتم والتدوينات والفيديوهات الفارغة التي لا تسمن ولا تغني من جوع ولكنها تحمل رسالة سلبية للمواطنين والمواطنات مفادها أنّ هذه الأطراف لا علاقة لخصوماتها بمصالحها الرئيسيّة إذا استثنينا قضيّة إطلاق سراح معتقلي الرأي التي أصبحت تحظى باهتمام كبير في بلادنا.
فإلى العمل الجادّ ربحا للوقت لصالح شعبنا ووطننا.
تونس في 11 أوت 2026

Exit mobile version