حمه الهمامي وغياب النزاهة والمصداقية والجرأة في تقييم تجربة “الجبهة الشعبية
نشر حمه الهمامي أمين عام “حزب العمال” على صفحته الخاصة بتاريخ 11 أوت 2026 مقالا يحمل عنوان ” جدل حول الثورة والثورة المضادّة في تونس: من أجل وضع الأمور في نصابها”، يقيم فيه الوضع العام في البلاد خلال “العشر سنوات التي تلت الثورة والتي أدت الى انقلاب قيس سعيد” وفق تحديده،ويهاجم فيه منظومة 25 جويلية وبعض معارضيها و “الترويكا” (حركة النهضة وحزب المؤتمر من أجل الجمهوريّة والتكتل الديمقراطي ) و تحالف ” نداء تونس / حركة النهضة / الاتحاد الوطني الحر” و ” حكومة الوحدة الوطنية برئاسة يوسف الشاهد” وحكومة الياس الفخفاخ وحكومة هشام المشيشي والاعلام ويعتبرهم ” مسؤولين عن السياسات التي أدت إلى الالتفاف على ثورة الشعب التونسي ومهّدت لانقلاب 25 جويلية 2021″ و إلى الازمة الخانقة التي تعيشها البلاد. ولم يتوقف حمه الهمامي عند هذا الحد بل تعداه لتقييم تجربته وتجربة “الجبهة الشعبية” والدور الذي قامت به خلال تلك الفترة قائلا:” إنّ حزب العمال، لمن لم يطّلع على وثائقه، لم يكتف بنقد الآخرين فحسب بل قيّم تجربته وتجربة الجبهة الشعبيّة في أكثر من مناسبة ووقف عند نقاط ضعفه وضعف الأحزاب اليساريّة الثوريّة والتقدميّة. إنّ “خطيئة” الجبهة الشعبية بمن فيها حزب العمال هو أنّها تحوّلت في وقت من الأوقات إلى كتلة برلمانية وأهملت العمل في صفوف الشعب، ولم تَسْعَ إلى تنظيم صفوفها في كافة المستويات لتفرض نفسها بديل حكم، وخضعت لابتزاز بعض الأطراف الانتهازية داخلها التي كانت تدافع عن “الدخوليّة” وتنسّق مع القصبة أو قرطاج لضرب وحدة الجبهة وخطها النضالي طمعا في منصب. وبعبارة أخرى فإذا كان لحزب العمال والقوى الثورية من مسؤولية فيما جرى فهي تتمثل، حسب رأينا، في كونهما فشلا في التصدي لقوى الثورة المضادة بجناحيها الديني والليبرالي التي تمكّنت من إعادة إنتاج نفس النظام الطبقي السابق بخياراته اللاوطنيّةواللاشعبيّة”
ان هذا الحديث الفضفاض البعيد كل البعد عن التحليل والفهم الطبقيين غيب فيه حمه الهمامي قصدا الحقائق التاريخية حول دور الأطراف المتنفذة في “الجبهة الشعبية” وفي مقدمتها “حزب العمال ” و”الموحد” في إجهاض المسار الثوري الذي فجرته انتفاضة 17 / 14، وفي تخريب الجبهة الشعبية من الداخل ودفنها بعد ان قتلوها في المهد. و لن نتوقف هنا عند توضيح الدور الذي قامت الدول الاستعمارية ومنظومات الحكم المتداولة على السلطة من النهضة الى نداء تونس إلى25 جويلية والسائرين في ركبهم في تخريب الانتفاضة وتحويل حياة الشعب إلى جحيم، وهو أمر مفهوم بحكم معاداة الامبريالية للعمال والشعوب المضطهدة والحركات الثورية وبحكم أن تلك المنظومات هي مكون من مكونات النظام الحاكم اللاوطنيواللاشعبي واللاديمقراطي جلاد الشعب،لكننا سنركز على توضيح الدور التخريبي للمسار الثوري الذي قامت به الأطراف المتنفذة داخل الجبهة “الشعبية” خلال المرحلة التي يتحدث عنها الهمامي من أجل استخلاص الدروس الضرورية لبناء أي عمل جبهوي ثوري مستقبلي في القطر، ذلك أن العامل الذاتي هو المحدد في الحركة الثورية الهادفة الى تحقيق التحرر الوطني الديمقراطي وبناء الاشتراكية من وجهة نظر الطبقة العاملة كبديل للنظام القائم الموغل في الرجعية والعمالة.
ففي الفترة الممتدة من 7 أكتوبر 2012 (تاريخ تأسيسها) إلى 25 جويلية 2013 (تاريخ اغتيال محمد البراهمي) أي في ظرف حوالي 8 أشهر أصبحت الجبهة الشعبية – التي حزب الوطد الثوري الماركسي اللينينيأحد مؤسسيها -قوة ضاربة مؤثرة في حركة الصراع الطبقي والنضال الوطني قادرة على تحريك الآلاف من الجماهير الشعبية في الشوارع وذلك للآسباب التالية:
1- صاغت الجبهة أرضية سياسية ذات توجه وطني ديمقراطي ثوري.
2- تبنت المطالب الشعبية التي رفعت في الإنتفاضة و في مقدمتها “الشعب يريد إسقاط النظام”
3- اعتمدت الشرعية الثورية أسلوبا رئيسيا للنضال ضد النظام العميل الحاكم ومن ورائه الامبريالية العالمية
4- خاضت في تلك الفترة نضالا لا هوادة فيه ضد أعداء الشعب الامبرياليين والمحليين وفي مقدمتهم كل من حركة “النهضة” و حركة “نداء تونس” وكل السائرين في ركبهما
5- ركزت على النضال الميداني اليومي في مقدمة الجماهير الشعبية مواكبة بذلك النضالات الجماهيرية في جل مناطق القطر مما جعل مناضلوها يتعرضون للقمع والعنف الرجعي من قبل السلطة ومختلف القوى المضادة للمسار الثوري.
هكذا إذن كانت انطلاقة الجبهة الشعبية استنادا لأرضيتها السياسية التي جاء فيها:
” لئن تمكنت ثورة شعبنا يوم 14 جانفي 2011 من الإطاحة برأس النظام السابق، رمز العمالة و الإستبداد و الفساد، فإن القوى المضادة للثورة تسعى إلى تنظيم صفوفها من جديد للإلتفاف على المسار الثوري و المحافظة على جوهر النظام السائد وعلى خياراته السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية المرتبطة عضويا بدوائر الرأسمال العالمي، و هي خيارات ثبت إفلاسها في العديد من بلدان العالم ، علاوة على أن توجهات الائتلاف الحاكم بعد انتخابات 23 أكتوبر تفضح التزامه باتفاقات نظام بن علي و تعهداته الدولية السابقة، و تواصل فتح أبواب تونس على مصراعيها أمام النهب الاقتصادي و المالي الخارجي و المحلي، و المواصلة في سياسة المديونية المدمرة للاقتصاد الوطني، و التركيز على القطاعات الهشة رافضة خيار بناء اقتصاد وطني قادر على تحقيق التحرر الوطني و الانعتاق الاجتماعي و على حمايته من مخاطر أزمات العولمة ضاربة عرض الحائط بأهداف ثورة الحرية و الكرامة و بمطالب الشعب الأساسية و حقه في العدالة و العيش الكريم .
و لأن الوضع السياسي الراهن في تونس بعد 23 أكتوبر 2011 يؤكد عدم قطع الائتلاف الحاكم مع الماضي المظلم، و سعيه المستمر إلى الالتفاف على المسار الثوري، و فشله في معالجة المشاكل المزمنة التي عانى منها شعبنا و ما يزال و في مقدمتها البطالة و غلاء المعيشة و تدهور المقدرة الشرائية وتردي الخدمات الأساسية.
ووفاء منا لدماء الشهداء و مواصلة ما راكمته جماهير شعبنا وقواه الثورية من نضالات، وإيفاء باستحقاقات استكمال المسار الثوري، فإننا نتعهد بمواصلة النضال الثوري بأبعاده الوطنية و الديمقراطية و الاجتماعية و الثقافية حتى تحقيق أهداف الثورة كاملة. ولن يكون ذلك ممكنا إلا بتحالف القوى الثورية والتقدمية صلب جبهة مناضلة تقدم البديل السياسي والتنظيمي الكفيل بالتصدي للقوى المضادة للثورة، والقطع مع حالة الاستقطاب الثنائي الرجعي في وجهه الليبرالي أو المتستر بالدين والدافع باتجاه طمس التناقض الرئيسي بين قوى الثورة وأعدائها. و يتأسس هذا البديل على أرضية سياسية تشكل الحد الأدنى السياسي و الوطني لكل القوى و الإطراف الوطنية و الشعبية المتمسكة بالنضال من أجل تحقيق أهداف الثورة و العمل على إنجاحها.” ( راجع الأرضية السياسية للجبهة الشعبية).
يوم 26 جويلية 2013 ، أي مباشرة بعد اغتيال البراهمي وإثر اللقاء المنعقد في تونس العاصمة يوم 3 جويلية 2013 والذي جمع بين كل من فرانسوا هولاند رئيس أحد أكبر الدول الاستعمارية الراعية للإرهاب في العالم والباجي قائد السبسي رئيس حركة “نداء تونس” ( بديل فرنسا للتجمع المنحل قانونا) وحمة الهمامي الناطق الرسمي باسم الجبهة الشعبية وأحمد نجيب الشابي عن “الحزب الجمهوري” وأحمد ابراهيم عن “حزب المسار”،انطلاقا من تلك الفترة انخرطت الأطراف المتنفذة داخل الجبهة الشعبية رسميا في تحالف رجعي مع أعداء الشعب وفي مقدمتهم حزب “نداء تونس”ورئيسه السبسي في إطار ما عرف بـ ” جبهة الانقاذ” متنكرة لأرضية الجبهة السياسية ومنقلبة عليها محولة بذلك موقعها من جبهة الشعب إلى جبهة الامبريالية. وقد ورد في البيان التأسيسي لتلك الجبهة ما يلي:
” نعلن بعث جبهة للإنقاذ الوطني لإنجاز المهام التالية :
ـ تشكيل الهيئة الوطنية العليا للإنقاذ الوطني الممثلة للأحزاب السياسة ومكونات المجتمع المدني التي ستتولى، بالاستعانة مع خبراء القانون الدستوري، استكمال صياغة الدستور في بحر شهرين يعرض على الاستفتاء الشعبي.
ـ تشكيل حكومة إنقاذ وطني محدودة العدد لا تترشح في الانتخابات القادمة متطوعة برئاسة شخصية وطنية مستقلة متوافق عليها تتخذ ضمن برنامجها جملة الإجراءات الإستعجالية الاقتصادية والاجتماعية و السياسية والأمنية و تعد لانتخابات ديمقراطية، نزيهة وشفافة.
- نهيب بقوّات الجيش الوطني والأمن الداخلي بأن تحترم إرادة الشعب وأن تحمي نضالات الشعب السلمية والممتلكات الخاصة و العامة.
- ندعو مؤسّساتنا الإعلامية إلى دعم الحراك الشعبي الهادف إلى تصحيح مسار الثورة.”( راجع البيان التأسيسي لـ ” جبهة الإنقاذ”)
في 16 أكتوبر 2013 انخرطت الأطراف المتنفذة داخل الجبهة في ما عرف بالمؤتمر الوطني للحوارالكارثة جنبا إلى جنب مع ” النهضة ” والنداء” أعداء الشهداء،وتواطأت مع السبسي وحزبه الذي وظفها في صراعة الانتهازي مع “النهضة” من أجل الوصول إلى سدة الحكم، صراعرجعي نهاب،يحركة التنافس الإستعماري بين كل من فرنسا ( تدعم “النداء”) والولايات المتحدة الأمريكية (تدعم “النهضة”) من أجل إحكام السيطرة على تونس في إطار إعادة تقسيم العالم.
وفي انتخابات 2014 المهزلة صوت جزء هام من الأطراف المتنفذة داخل الجبهة الشعبية للسبسي في الرئاسية كما أدى 14 من نوابها في برلمان كبار السماسرة والملاكين العقاريين من جملة 15 بأصواتهم لفائدة التجمعيمحمد الناصر مرشح “النداء” لرئاسة المجلس.
أما يوم 23 ديسمبر 2013 فقد التقى وفد من الأطراف المتنفذة داخل الجبهة وفي مقدمته ناطقها الرسمي حمه الهمامي مع سفير الولايات المتحدة الأمريكية أكبر دولة استعمارية في العالم، ثم بعد ذلك مع سفراء دول ” الاتحاد الأوروبي” الامبريالي مصاص دماء شعبنا.
أمام هذا التوجه السياسي الانتهازي اليميني للأطراف المتنفذة في الجبهة الذي جسد تخليها التدريجي عن نهج الشرعية الثورية التي كرسها النضال الشعبي الميداني في الشوارع والساحات والأرياف و بالتالي ارتمائها الكلي في مستنقع البرلمانية والتداول السلمي على السلطة، خاض حزب الوطد الثوري الماركسي اللينيني -من داخل الجبهة الشعبية في البداية ثم من خارجها- نضالا مبدئيا مريرا ضد هذا الانقلاب بـ 180 درجة على أرضية الجبهة، وضد قادته معتبرا أن هذا التمشي المبني على الوفاق الطبقي مع أعداء الشعب المحليين والامبرياليين وعلى استسلام الأطراف المتنفذة في الجبهة أمامهم بحثا عن المواقع في البرلمان الرجعي ولهثا وراء الحقائب الوزارية و كرسي رئاسة الدولة العميلة سيؤدي حتما وبالضرورة إلى انهيار الجبهة الشعبية، وهو ما بدأ يحدث منذ ارتمائها في أحضان ممثلي الدول الاستعمارية وتحالفها مع “نداء تونس” وتواطئها مع “النهضة” و “النداء” في الحوار الوطني المزعوم ( الحمار الوطني كما سماه أحد المشاركين فيه) لتخريب المسار الثوري المتأجج اثر اندلاع انتفاضة 17 ديسمبر 14 جانفي،وصولا إلى الانخراط في قائمات مشتركة مع النهضة في “الانتخابات البلدية” حول توزيع المهام في المجلس البلدي بمدينة العروسة من ولاية سليانة، انهيار نراه اكتمل بالهزيمة النكراء في “الإنتخابات” البلدية آنذاك وبانقسامات هائلة في صفوف تلك الأطراف ( “الموحد” و”حزب العمال” بالخصوص)،وبتفجر الصراعات الانتهازية بينها حول الترشح للرئاسة ( قدمت 3 مترشحين: الهمامي والبريكي والرحوي)، و حول تحديد القائمات الانتخابية البرلمانية لسنة 2019وبالفرقعة التي عاشتها الكتلة البرلمانية للجبهة إثر انسحاب 9 من أعضائها الخمسة عشر. لقد أصبحت الجبهة غير قادرة على تحريك عشرات الأشخاص في الشارع وأصبحت تقومبدور المستشار لدي السلطة تقدم لها مقترحات “الحلول” حول كيفية معالجة مشكلة البطالة والمديونية وانخفاض قيمة الدينار والتضخم وغيرها…
ولا تفوتنا الإشارة هنا إلى الدور الانتهازي الذي قامت به المجموعةالمنشفيةالتصفوية المرتدة الشرعوية المسماة زورا وبهتانا بـ “الوطد الاشتراكي” التي هرولت للعودة للجبهة الشعبية بعد أن انسحبت منها وذلك لرأب الصدع بين مكوناتها وطمعا في تحقيق حلمها المتمثل في الحصول على مواقع في البرلمان الرجعي.
إن الأحزاب المتنفذة داخل الجبهة الشعبية بحكم طبيعتها البرجوازية الصغيرة الانتهازية وتذبذبها والطمع الذي يحركها من أجل الحصول على المواقع والكراسي في مختلف مؤسسات الدولة، سرعان ما تخلت عن المسار الثوري لتحقيق أهداف الإنتفاضة وبدأت تبحث عن الوفاق مع أعداء الشعب (التجمعيين المرسكلين في جبهة”الانقاذ”، ثم “النداء” و”النهضة” والانتهازيين عموما في “الحوار الوطني” المزعوم ثم رؤساء الدول الامبريالية وسفرائها) و قامت تدريجيا بتنازلات لا مبدئية لهم ، ولقد وصل بها الأمر ببعضهم حد اللهث وراء نواب “النهضة” و”المؤتمر” لتزكية الناطق حمه الهمامي في الترشح لـ “لانتخابات الرئاسية”، وحد الرهان على السبسي لكشف قتلة شكري بلعيد، و حد التصويت للباجي قايد السبسي في الانتخابات الرئاسية، وهو ما يؤكده بيان الجبهة الذي وقعت فيه الدعوة إلى المشاركة في دورة الانتخابات الرئاسية الثانية بكثافة وإلى عدم التصويت للمرزوقي (وصل إلى الدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية كما هو معلوم كل من المرزوقي والباجي). فماذا يعني قرار ترك حرية التصويت لأنصار الجبهة والدعوة في الوقت نفسه الى عدم التصويت للمرزوقي؟ إنه لا يعني سوى التصويت للباجي قايد السبسي. إضافة إلى ذلك لابد من الإشارة إلى الدور التخريبي لـ “جبهة 14 جانفي3 ولـ “المجلس الوطني لحماية الثورة” الذي قام به كل من “حزب العمل الوطني الديمقراطي” و” حركة الوطنيين الديمقراطيين” و” حزب الطليعة العربي الديمقراطي” عندما التحق كل من عبد الرزاق الهمامي وشكري بلعيد وأحمد الصديق بـ ” الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي” صنيعة الامبريالية.
لقد احتد التناقض في فترة تاريخية معينة داخل الجبهة الشعبية وبالخصوص بعد اغتيال محمد البراهمي بين توجهين سياسيين واضحين: خط سياسي وطني ثوري يدافع عنه كل من حزب الوطد الثوري الماركسي اللينيني وبعض الأطراف الأخرى وخط إصلاحي انتهازي بقيادة الأطراف المتنفذة في الجبهة التي لم تفعل سوى تنفيذ مشروع برنامج “الجبهة الديمقراطية الواسعة” التي نظر لها شكري بلعيد وكانت الأساس الذي انبنت عليه ما تسمى بجبهة الانقاذ، خط إصلاحي جرّ الجبهة إلى منظومة 23 أكتوبر مشروع الامبريالية ووكلائها المحليين. وعلى هذا الأساس توج نضال حزب الوطد الثوري الماركسي اللينيني ضد القيادة الانتهازية المتنفذة في الجبهة بانسحابه منها يوم 26 جويلية 2013 أي يوم صدور البيان التأسيسي لـ “جبهة الانقاذ” السيئة الذكربعد اقتناعه الراسخ بأن وحدة الممارسة انتهت داخل الجبهة وبأن تلك الأطراف مصرة على الارتماء في مستنقع وكلاء الامبريالية، رافضا بذلك أن يكون أداة تزكية لقرارات الطراف المتنفذة في الجبهة .
فما هي أهم مظاهر التناقض بين التوجهين التي قضت على وحدة الممارسة داخل الجبهة الشعبية وجعلت حزب الوطد الثوري يضع حدا لنشاطه في الجبهة الشعبية ويعمق الصراع ضد قيادتها المنقلبة؟
التوجه السياسي الوطني الثوري
- تمسك بالأرضية السياسية للجبهة ذات التوجه الوطني الديمقراطي والداعية إلى مواصلة المساري الثوري حتى تحقيق أهداف الانتفاضة وإلى التصدي للاستقطاب الثنائي بين “النهضة والنداء”.
- دعا دائما الى معالجة الموارد المالية للجبهة حتى تقوم بدورها على الوجه الأكمل
- دفع نحو هيكلة الجبهة في مختلف المستويات والجهات والمناطق تحت إشراف مجلس الأمناء لتصليب عودها التنظيمي وتطوير قاعدتها الجماهيرية وضمان التحامها بالشعب
- ركز على النضال الميداني الجماهيري الثوري في مواجهة الامبريالية والائتلاف الحاكم العميل بقيادة النهضة ثم النداء استنادا الى التوجه السياسي للجبهة.
- حافظ على الاستقلالية السياسية والتنظيمية للجبهة عن السلطة والأحزاب الرجعية والعميلة
- رفض التوافق مع أعداء الشعب المحليين والامبرياليين من خلال رفض التحالف مع السبسي في “جبهة الإنقاذ” ورفض المشاركة في ” الحوار الوطني ” مع النهضة والنداء والجلوس مع فرانسوا هولاند رئيس الدولة الفرنسية الاستعمارية ووزير خارجيتها فابيوس و مع سفراء الدول الاستعمارية الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية داعيا الى القيام بتجمع أمام سفارة فرنسا من أجل طرد فرنسوا هولاند عوضا عن الجلوس والتوافق معه
- اعتبر أن الجبهة الشعبية جبهة للشعب والأحزاب سواسية داخلها والعلاقات يجب أن تكون رفاقية وتبني على أساس الاحترام المتبادل وتقاسم الأدوار وخدمة مصالح الجماهير الشعبية وأهداف الانتفاضة وبالتالي على الجبهة ( 13 حزب إضافة الى ” المستقلين) أن تعمل لصالح الشعب وأن تقوم بالدعاية السياسية لنفسها من خلال تكتيكاتها ومختلف أوجه نشاطها ونضالها الميداني، ورفض صب الماء في طاحونة أعداء الشعب المحليين والامبرياليين.
- دعا إلى توظيف التكتيك الانتخابي من أجل تشكيل كتلة برلمانية ثورية داخل البرلمان الرجعي تخدم الشعب والجبهة وتتقدم بالمسار الثوري وتساهم عبر مسار تاريخي في إسقاط النظام العميل الحاكم
التوجه السياسي الإصلاحي الانتهازي - إنقلب على الأرضية السياسية للجبهة بحيث أصبحت قيادتها جزءا من الاستقطاب الثنائي بتحالفها مع حركة “نداء تونس”
- أهمل المسألة المالية وترك الجبهة بدون موارد للحيلولة دون تطورها وتجذرها
- إكتفي بالحد الأدنى لهيكلة الجبهة (مجلس أمناء وتنسيقيات جهوية غير مكتملة وبعض محليات) ورفض إتمام بقية الهيكلة وتعميمها فسيطرت العفوية والارتجالية على هذه العملية وقل التدخل لفض المشاكل التي تحدث.
- عمل من أجل أن تكون الجبهة انتخابية واللهث وراء المواقع في السلطة والعمل على تحسين نتيجة الصفر فاصل الحاصلة في 2011 والتركيز على العمل الصالوني.
- ضرب في العمق إستقلالية الجبهة بالالتحاق بما يسمى بجبهة الانقاذ الوطني حيث أصبحت ذيلا لحركة نداء تونس.وقد تجسد ذلك في عدة مناسبات كاعتصام “الرحيل” مثلا والتصويت لمحمد الناصر مرشح نداء تونس لرئاسة البرلمان ممثل كبار السماسرة والملاكين العقاريين والقبول بتزكية النهضة والمؤتمر لمرشح الجبهة الشعبية للانتخابات الرئاسية حمه الهمامي، والرهان على الباجي قايد السبسي لكشف قتلة شكري بلعيد…
- بحث عن هذا التوافق وتكريسه عمليا بدخول جبهة الانقاذ والمشاركة مع النهضة والنداء في ما يسمى بـ ” الحوار الوطني” والهرولة الى هولاند وسفارات مختلف الدول الاستعمارية
- كرس علاقات هيمنة وسيطرة وولاءات داخل الجبهة
- قام بأعمال تكتلية وتخريبية وتآمر داخل الجبهة وخارجها (ما حصل في ندوة سوسة خلال شهر جوان 2013 مثلا)
- وظف إعلام الجبهة حزبيا خاصة من قبل حزب العمال والموحد وللحصول على منافع سياسية( مواقع في البرلمان وفي السلطة عموما) وللدعاية الشخصيةالمكرسةلمرض الزعاماتية وحب البروز
- قبل بتوظيف الجبهة من قبل حزب “نداء تونس” بالخصوص الذي ابتز الجبهة في صراعه مع “النهضة” وأفلح من خلال ذلك في التربع على سدة الحكم بداية من 2014.
- لهث وراء تحسين نتيجة الصفر فاصل في “الانتخابات” التشريعية الثانية أي في أكتوبر 2014 من أجل الوصول الى البرلمان هو من العوامل التي دفعت الأطراف المتنفذة في الجبهة الى الاصطفاف وراء التجمعيين والدساترة تحت غطاء مواجهة “النهضة”
- انخراط في العملية الانتخابية الشكلية في إطار التداول السلمي على السلطة والمحافظة على النظام القائم بحثا عن المواقع في البرلمان الرجعي خادم القوى الاستعمارية ووكلائها في القطر من أجل التمتع بالامتيازات وقضاء المصالح الشخصية والحزبية على حساب الشعب الكادح.
- ساهم بمشاركته في الحوار الوطني الكارثة في تشكيل جبهة التحالف بين النهضة والنداء اثر”الانتخابات” التشريعية والرئاسية سنة 2014 عوضا عن تأجيج الصراع بينهما.
فماذا كانت نــتائـــــج هذا التمشي الانتهازي؟
- ساهمت الأطراف المتنفذة في الجبهة في تخريب الانتفاضة و في إجهاض المسألة الوطنية.
- ساعدت تلك الأطراف القوى الرجعية العميلة والامبريالية على ترميم صفوف النظام الحاكم العميل وعلى إحكام سيطرته من جديد على الجماهير الشعبية ( عودة التجمع الى السلطة وفك عزلة النهضة وتمكينها من مواصلة التواجد في الحكم) وعلى خنقه لهامش الحريات الذي تحقق بالنضال الثوري وقمعه للنضالات الشعبية المتأججة من جديد.
- أضعفت الجبهة الشعبية التي أصبحت غير قادرة على تحريك العشرات في الشارع
-وظفت القوى العميلة(“نداء تونس” بالخصوص) الأطراف المكونة للجبهة للوصول إلى السلطة ثم رمت بها على قارعة الطريق بعد تحقيق أهدافها(التصويت على رئاسة المجلس / الصراعات حول لجنة المالية في المجلس / الشجار المكشوف وتبادل العنف بين نواب الجبهة من جهة ونواب ” نداء تونس” من جهة ثانية) - همشت ملف اغتيال الاغتيالات السياسية
- فجرت الصراعات داخل الجبهة وظهرت للعلن ( الصراع على شبكة الموقع الاجتماعي بين الموحد وحزب العمال في الذكرى الثانية لاغتيال شكري بالعيد بالخصوص)
- تفجر الصراع داخل العديد من الأحزاب المكونة للجبهة بين قواعد تلك الأحزاب وقياداتها مما تسبب في العديد من الانسحابات والانقسامات
- دقت آخر مسمار في نعش الجبهة الشعبية
لقد أثبتت التجربة الميدانية صحة موقف حزب الوطد الثوري الماركسي اللينيني في التعامل مع الأحزاب المتنفذة داخل الجبهة الشعبية. لقد ساهم الحزب في مرحلة أولى في تأسيس الجبهة الشعبية لتأطير الانتفاضة وتوسيع قاعدة مواجهة القوى الامبريالية وعملائها في القطر، وصارع داخلها للنهاية من أجل أن تحافظ على خطها الوطني المستقل وعلى انحيازها للجماهير الشعبية ومن أجل أن تواصل المسار الثوري، وتباين معها لما انقلبت الأطراف المتنفذة فيها على أرضية الجبهة و سياساتها ومواقفها المنحازة في البداية للشعب،أي عندما تخلت عن موقعها في صف الشعب بتحالفها مع التجمعيين العملاء وبتوافقها مع “حركة النهضة” في الحوار المزعوم والبرلمان الرجعي وبارتمائها في أحضان سفراء الدول الامبريالية ورؤسائها، ونبه لخطورة نتائج هذا التمشي على الشعب والمسار الثوري، كما رفض الحزب أن توظفه تلك الأحزاب والقوى الرجعية عموما لخدمة أجندتها الخاصة الانتهازية. ولقد شاهد الشعب بأم أعينه المستنقع الذي سقطت فيه الأطراف المتنفذة في الجبهة الشعبية وزعف جراء ذلك أي حديث عن ما يسمى باليسار أو أية دعاية له.
أفلا يمثل هذا التوجه انخراطا في مسار الالتفاف على انتفاضة 17 ديسمبر 14 جانفي؟ إن الجبهة الشعبية كفت منذ جويلية 2013 عن أن تكون بديلا وطنيا شعبيا، لقد أصبحت جزءا من الديكور السياسي الرجعي المزين لوجه النظام العميل الحاكم في تونس بحكم تكريس الأطراف المتنفذة فيها لسياسة الوفاق مع أعداء الشعب،وكل من واصلالمراهنة عليها إثر انقلابها انخرط حتما بشكل واع أو عفوي في مسار القوى الرجعية الهادف الى القضاء النهائي على المسار الثوري الذي أججته انتفاضة 17 ديسمبر 14 جانفي.
وردا على هذا الصراع الشرس من قبل حزب الوطد الثوري ضد خط الانتهازية الواعية الذي سقطت فيه القيادة المتنفذة للجبهة أصدرت تلك القيادة القرار المهزلة التالي:
“من مجلس الأمناء إلى الرفيقين:
الأمين العام للحزب الوطني الاشتراكي الثوري (المقصود حزب الوطد الثوري. التوضيح لنا)
والأمين العام للجبهة الوحدوية الشعبية
تحية نضـالية و بعد،
فإننا نحيطكم علما بنص القرار الذي اتخذه مجلس أمناء الجبهة الشعبية المنعقد يوم السبت 10 أوت 2013 :
“قرر مجلس الأمناء المنعقد يوم السبت 10 أوت 2013 بأغلب أعضائه ، التجميد المؤقت لعضوية الحزب الاشتراكي الثوري والجبهة الشعبية الوحدوية وذلك على إثر نشرهما بيانا على صفحتيهما بالشبكة الاجتماعية بعنوان “لا لتدجين الجبهة الشعبية “بتوقيع “الجبهة الشعبية/التيار الوطني” و هو ما يمثل ممارسة انشقاقية واضحة وخرقا للنظام الداخلي و تقاليد العمل الديمقراطي داخل الجبهة الشعبية مع التذكير بأن مجلس الأمناء كان تعرض بالنقد أكثر من مرة الى هذه الممارسات قبل أن تتطور أخيرا الى انشقاق بتوقيع فيه تحريف لاسم الجبهة.
ويؤكد مجلس الأمناء أنه في صورة عدم تقديم نقد ذاتي وعدم التراجع عن هذه الممارسات رسميا وفي نص يوجه الى العموم على الصفحتين الاجتماعيتين للحزبين المذكورين وذلك في ظرف أسبوع من تسلم هذه الرسالة فإنّ قرار التجميد سيتحوّل إلى قرار رفت نهائي من الجبهة.
عن مجلس الأمناء
الناطق الرسمي”
( علما وأن حزب الوطد الثوري انسحب مع أطراف أخرى من الجبهة يوم 26 جويلية 2013 أي قبل صدور هذا القرار بمدة، وأصدروا بيانا هاجموا فيه قيادة الجبهة الشعبية ممضى باسم الجبهة الشعبية التيار الوطني)
هكذا نري كيف أن الانتهازية الواعية للقيادة هي وراء انهيار الجبهة الشعبية التي هوت جراء استسلام تلك القيادة أمام أعداء الشعب المحليين والإمبرياليين. إن هذه النهاية الكارثية للجبهة التي انطلقت منذ الانقلاب المتنفذين فيها على أرضيتها السياسية الوطنية الثورية هي في الواقع نهاية زرع أوهام الاصلاحية في وعي الجماهير الشعبية، نهاية الجري وراء سراب الوفاق الطبقي والسلم الاجتماعية والوفاق المزعوم بين الشعب الكادح وأعدائه.
هذه الحقائق الموضوعية المتعلقة بكامل مسار الجبهة الشعبية هي التي غيبها عمدا حمه الهمامي في محاولة يائسة لتبرئة نفسه وحزبه والموحد وغيرهم من الأطراف المتنفذة في الجبهة الشعبية من مسؤوليتهم المباشرة وغير المباشرة، الأولى والنهائية في تدمير الجبهة الشعبية، ومن الجرائم التي ارتكبوها في حقها، ومن غدرهم للجماهير الشعبية وللتفصي من مساعتهم الامبريالية والنظام الحاكم العميل على ترميم صفوفهم التي خلخلت أركانها الانتفاضة وبالتالي التمديد في أنفاسهم.
وفي حديثه عن مستقبل الوضع في تونس يعود بنا حمه الهمامي القهقرى، فهو يطمح للحصول على موقع في حكومة مؤقتة تشكل على أنقاض الشعبويينفي ظل النظام الرجعي العميل القائم، وإرساء مرحلة انتقالية مزعومة على غرار ما وقع بعد 14 جانفي متناسيا أن التاريخ لا يعيد نفسه إلا في شكل مهزلة. وفي هذا الصدد كتب ان ” الطبقات والفئات الشعبيّة المتضرّرة اليوم من نظام قيس سعيّد تريد أن تعرف ومن حقّها أن تعرف بعد أن غُدر بها أكثر من مرّة ما هي الخيارات السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة التي تطرح عليها للخروج من الأزمة الخانقة الحاليّة وما هو الدور الذي سيكون لها في نقاشها وتحديدها؟ لا يمكن حصر “البديل” في الجانب السياسيّ وتحديدا في “المجلس” أو “الهيئة التنفيذية” أي “الحكومة المؤقّتة” التي ستشرف على المرحلة الانتقالية، مع العلم أنّ هذه المسألة ذاتها تستحق النقاش: ما هي طبيعة هذه “الهيئة التنفيذية” وتركيبتها؟ وكيف ستعيّن؟ هل بشكل فوقي، بيروقراطي، معزول عن جمهور الشعب أم أنّ هذا الجمهور سيكون له رأي فيها، مباشرة أو عبر تنظيماته الذاتيّة حتى لا تبقى مجرد تفاهمات فوقيّة بين قوى سياسيّة لا تهمّها سوى مصلحتها؟ “
إن حركة الصراع الطبقي والنضال الوطني في تونس وعلى رأسها القوى الوطنية الثورية المناضلة ستبني حتما و بالضرورةعلى انقاض الجبهة الشعبية المنهارة والأطراف الإصلاحية والتحريفية والانتهازية عموما قيادة ثورية عمالية ماركسية لينينية لشعبنا تكون قادرة على تحقيق الشعار المركزي للانتفاضة ” الشعب يريد اسقاط النظام” وإرساء سلطة العمال والفلاحين الديمقراطية الثورية ذات الأفق الاشتراكي كحل جذري للعلاقات الطبقية الرجعية السائدة في المجتمع المبنية على استغلال الانسان للإنسان.
