الرئيسيةA la uneالمحكمة الابتدائية بتونس تُصدر أحكاماً بالسجن المؤبد في قضية الجهاز السري لحركة...

المحكمة الابتدائية بتونس تُصدر أحكاماً بالسجن المؤبد في قضية الجهاز السري لحركة النهضة

أصدرت الدائرة الجنائية المختصّة بالمحكمة الابتدائية بتونس في قضايا الإرهاب مساء الثلاثاء 2 جوان 2026 أحكامها في ما عرف بقضيّة الجهاز السرّي لحركة النهضة في قاعة الدائرة الجنائية المختصة بالنظر في قضايا الإرهاب ،بالسجن مدى الحياة. وثلاثون سنة إضافية. هكذا يُختتم مسار راشد الغنوشي، الرجل الذي أسّس حركة النهضة في الخفاء، وقاوم السجون والمنافي، ثم عاد على أجنحة الثورة ليحكم، قبل أن تنقلب عليه الدائرة ويجد نفسه، في عمر الرابعة والثمانين، يسمع قاضياً يُودعه خلف القضبان إلى غير رجعة.

ليلة الأحكام: أرقام تتجاوز حدود المتخيّل

خمسة وثلاثون متهماً. أحكام تتراوح بين عشر سنوات والسجن مدى الحياة. لم تُبقِ المحكمة على هامش من الرأفة لأيٍّ من الأسماء الكبيرة التي يعرفها التونسيون جيداً. مصطفى خذر، الذي طالما تردّد اسمه في الكواليس القضائية، نال العقوبة الأثقل على الإطلاق: السجن مدى الحياة مضافاً إليه ستة وتسعون سنة. رقم يتجاوز حدود الإدراك، ويعكس خطورة التهم المنسوبة إليه في نظر القضاء.

وجاءت الأحكام المتبقية على النحو ذاته في ثقلها. رضا الباروني والطاهر بوبحري وكمال العيفي وسبعة متهمين آخرين، كل واحد منهم يصطدم بحكم بالسجن مدى الحياة مقروناً بستة وسبعين سنة. فتحي البلدي يحمل وطأة السجن مدى الحياة وخمسين سنة زيادة. عبد العزيز الدغسني السجن المؤبد وسبعاً وثلاثين سنة إضافية. كمال البدوي السجن مدى الحياة باثنين وثلاثين سنة فوقها. سمير الحناشي المؤبد وثلاثون سنة. وراشد الغنوشي في الصف ذاته، المؤبد مقروناً بثلاثين سنة من السجن.

أما من نجا من السجن المؤبد فلم ينجُ من الأعوام المتراكمة. قيس بكار ثمانية وأربعون سنة. بلحسن النقاش ستة وأربعون. علي العريض، نائب الرئيس الأول للحركة ورئيس الحكومة الأسبق، اثنان وأربعون سنة. علي الفرشيشي أربع وثلاثون. ومتهمون آخرون بين عشر وثماني عشرة سنة. وفي نهاية كل حكم، بند واحد يطال الجميع دون استثناء: الوضع تحت المراقبة الإدارية لمدة خمس سنوات عقب انقضاء العقوبة.

وقد أقرّت المحكمة في حق المتهمين جملة من التهم ذات الصلة بالإرهاب، أبرزها: التآمر على تأسيس تنظيم إرهابي والانتماء إليه، ووضع الكفاءات والخبرات في خدمة هذا التنظيم، وهي تهم تعاقب عليها قوانين مكافحة الإرهاب التونسية بصرامة لا تقبل التأويل.

2013: حين بدأت الخيوط تُنسج

لفهم هذا الحكم، لا بدّ من العودة ثلاثة عشر عاماً إلى الوراء. كانت تونس في عام 2013 تعيش على صفيح ساخن. في السادس من فيفري، أُردي شكري بلعيد، رمز اليسار التونسي، قتيلاً أمام منزله في ساعة الفجر. وفي الخامس والعشرين من جويلية من العام ذاته، سقط النائب والمناضل القومي محمد البراهمي بدوره تحت رصاصة الغدر. جريمتان، صدمتان، وسؤال واحد ظلّ معلّقاً دون إجابة قاطعة طوال سنوات: من أعطى الأمر؟

هذا السؤال بالذات هو الذي حمله هيئة الدفاع عن عائلتي بلعيد والبراهمي إلى أروقة القضاء سنة 2022، متّهمةً ما وصفته بـ”الجهاز السري” لحركة النهضة، أي تلك البنية السرية الموازية التي يُقال إنها عملت خارج كل شرعية، مخترقةً أجهزة الدولة، جامعةً المعلومات، ومدبّرةً — وفق ما تقوله وثائق الاتهام — أعمالاً ذات طابع عنيف. وقد صوّر الادعاء راشد الغنوشي لا بوصفه شاهداً بعيداً عن الأحداث، بل مشرفاً مباشراً على هذا الجهاز ومحرّكاً له.

في المقابل، لم تتزحزح حركة النهضة قيد أنملة عن موقفها. فهي تنفي من الأساس وجود أي جهاز سري في هياكلها، وترى في هذه القضية برمّتها توظيفاً سياسياً للقضاء بهدف تصفية المعارضة وإسكات أصوات منافسة للسلطة.

حركة، ثورة، سقوط

لا يمكن فهم ما جرى في قاعة المحكمة دون استحضار مسار حركة النهضة الطويل والمتشعّب. وُلدت في السرية إبان قمع بورقيبة، وتصلّبت في مواجهة منظومة بن علي التي زجّت بمئات من كوادرها في السجون وشتّتت قياداتها في المنافي. ثم جاءت ثورة جانفي 2011 لتُعيد رسم خارطة البلاد، فأفرزت الانتخابات الحرة في أكتوبر من العام ذاته فوزاً تاريخياً لحركة النهضة في أول اقتراع تعددي تشهده تونس. عاد الغنوشي من لندن محمولاً على أكتاف الجماهير، وبسمعة مفكّر إسلامي يؤمن بالديمقراطية وقابلية الإسلام السياسي للتعايش مع الحرية.

غير أن الحكم كشف سريعاً عمق التوترات الكامنة. اغتيالا 2013، والأزمات الاقتصادية المتتالية، واتهامات التغلغل في مفاصل الدولة، كلها عوامل أفقدت الحركة تدريجياً ثقة شرائح واسعة من التونسيين. وحين أقدم الرئيس قيس سعيّد في الخامس والعشرين من جويلية 2021 على تجميد البرلمان ثم تركيز السلطات في يده، بات الجهاز القضائي أداةً في يد تنفيذية لا رقيب عليها، فانهالت الملاحقات على قيادات الحركة واحدة تلو الأخرى.

منذ إيداع الغنوشي السجن في أفريل 2023، لم تتوقف وتيرة المحاكمات. أُغلقت مقرات الحركة في كامل أنحاء الجمهورية. اعتُقل خلفاؤه الواحد تلو الآخر. وتحوّل الحزب الذي كان يوماً القوة الانتخابية الأولى في البلاد إلى هيكل بلا رأس، قياداته إما خلف القضبان وإما في المنفى.

حكم أُغلق، أسئلة لم تُغلق

في مساء الثاني من جوان 2026، قضت المحكمة بما قضت به. لكن الحكم القضائي شيء، والحكم التاريخي شيء آخر. بين من يرى في هذه الأحكام خاتمة طال انتظارها لمسيرة بحث عن الحقيقة في حق عائلتي بلعيد والبراهمي، وبين من يقرأ فيها إعداماً قضائياً لتيار سياسي بأسره على يد سلطة لا تُسائَل، تبقى الهوّة عميقة. وهي هوّة لن تُردمها أقفاص الاتهام، ولن تُغلقها أبواب المحاكم.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -
Google search engine

الأكثر شهرة

احدث التعليقات