
لم تعد أزمة المناخ في تونس تُقاس فقط بدرجات الحرارة القياسية التي تسجلها محطات الرصد خلال فصل الصيف. فالتغير المناخي أصبح يُترجم في تفاصيل الحياة اليومية: مياه أقل، موجات حر أطول، ليالٍ لا تمنح الجسم فرصة لاستعادة توازنه، وضغط متزايد على الزراعة والطاقة والموارد الطبيعية.وفي بلد يعاني أصلًا من محدودية موارده المائية، يبدو أن ارتفاع الحرارة والجفاف لم يعودا ظاهرتين منفصلتين، بل أصبحا جزءًا من أزمة واحدة تتغذى عناصرها من بعضها بعضًا.من ارتفاع
من ارتفاع الحرارة إلى «حرارة محسوسة» أكثر قسوة
يصف الخبير في المناخ حمدي حشاد في تدوينة له على فيسبوك التحول الذي تشهده تونس بالقول إن البلاد لم تعد تعيش فقط ارتفاعًا في درجات الحرارة، بل بدأت بعض مناطقها تشهد ظروفًا تشبه في خصائصها الأجواء المدارية: حرارة مرتفعة، رطوبة خانقة، وغياب الانتعاش الليلي.و«الحرارة المدارية» ليست تصنيفًا مناخيًا رسميًا، وفق حشاد، وإنما وصف لحالة تتجمع فيها الحرارة والرطوبة وارتفاع درجة حرارة الليل، ما يجعل الإحساس بالحرارة أكبر بكثير من الرقم الذي تسجله أجهزة الرصد.وتزداد هذه الظاهرة وضوحًا خصوصًا في المناطق الساحلية. فقد لا تتجاوز الحرارة المقاسة 34 أو 35 درجة مئوية، لكن ارتفاع الرطوبة يجعل الحرارة التي يشعر بها الإنسان أعلى بكثير.ويشرح حشاد أن ارتفاع نقطة الندى، خصوصًا عندما تتجاوز مستويات مرتفعة، يجعل الهواء أكثر رطوبة وصعوبة على الجسم في التخلص من حرارته. فالإنسان يعتمد على تبخر العرق لتبريد جسده، لكن الرطوبة العالية تقلل من فعالية هذه العملية، فيصبح الإحساس بالإرهاق والاختناق أكثر حدة.وهنا تكمن إحدى المفارقات المناخية الجديدة في تونس: الرقم الذي يظهر على شاشة ميزان الحرارة لم يعد وحده كافيًا لفهم حجم الخطر
الليل لم يعد مساحة للراحة
لا تتوقف الأزمة عند غروب الشمس.من أبرز المؤشرات التي يلفت إليها حشاد ارتفاع درجات الحرارة ليلًا. فالليلة التي لا تنخفض فيها الحرارة الدنيا عن 20 درجة تُعد، وفق التعريف الذي يستند إليه، «ليلة مدارية»، بينما تصبح الظروف أكثر قسوة عندما تبقى الحرارة فوق 25 درجة.وقد يبدو ارتفاع حرارة الليل أقل خطورة من ارتفاعها خلال النهار، لكنه في الواقع يضاعف آثار موجات الحر. فالجسم يحتاج إلى انخفاض درجات الحرارة ليلًا حتى يتخلص من الحرارة المتراكمة خلال النهار، كما تحتاج المباني وشبكات الطاقة إلى فترة من التبريد.وعندما لا يحدث ذلك، تتراكم الحرارة داخل المنازل والجدران، ويستمر استخدام أجهزة التكييف خلال الليل، ما يرفع استهلاك الكهرباء ويزيد الضغط على شبكة الطاقة.وتصبح الفئات الأكثر هشاشة، مثل كبار السن والعمال في الهواء الطلق ومرضى الأمراض المزمنة، أكثر عرضة لتداعيات الإجهاد الحراري.
لكن الوجه الأخطر للأزمة هو الماء
وراء كل هذه المؤشرات المناخية تبرز قضية أكثر عمقًا: المياه.فارتفاع الحرارة لا يعني فقط أن الإنسان يحتاج إلى شرب كميات أكبر من الماء، بل يعني أيضًا زيادة الطلب على المياه في الزراعة، وارتفاع معدلات التبخر، وتفاقم الضغط على السدود والموائد المائية والمصادر الجوفية.في تونس، حيث تتفاوت الموارد المائية بشدة بين الشمال والوسط والجنوب، يمكن لموسم جفاف طويل أن يتحول بسرعة إلى أزمة متعددة الأبعاد.المشكلة أن المياه ليست موردًا يمكن تعويض نقصه بسهولة خلال أسابيع. فالأمطار الغزيرة في فترة قصيرة لا تعني بالضرورة انتهاء أزمة الجفاف، لأن جزءًا مهمًا من المياه قد يضيع بالجريان السطحي، بينما تحتاج الموارد الجوفية والسدود والأنظمة البيئية إلى فترات أطول حتى تستعيد توازنها.ومع ارتفاع درجات الحرارة، تزداد عملية التبخر، ما يعني أن كمية المياه المتاحة للاستهلاك قد تتراجع حتى عندما تكون الأمطار المسجلة قريبة من المعدلات المعتادة
الزراعة في قلب المعادلة
القطاع الزراعي هو أحد أكثر القطاعات تعرضًا لهذا التغير.فالفلاح التونسي يواجه معادلة صعبة: حرارة أعلى، أمطار أقل انتظامًا، ومياه ري محدودة. وفي المقابل، تحتاج النباتات إلى كميات أكبر من المياه لمواجهة الإجهاد الحراري.وهذا يهدد المحاصيل ويزيد كلفة الإنتاج، وقد يدفع بعض الفلاحين إلى تقليص المساحات المزروعة أو التخلي عن بعض الزراعات التي تتطلب كميات كبيرة من المياه.ولا تتوقف آثار الأزمة عند الفلاح. فعندما تتراجع الإنتاجية الزراعية أو ترتفع تكلفة الإنتاج، تنتقل آثار الأزمة إلى الأسواق والأسعار والأمن الغذائي.بهذا المعنى، فإن أزمة المياه ليست قضية بيئية فقط، بل هي قضية اقتصادية واجتماعية أيضًا
السواحل والداخل: أزمتان بوجهين مختلفين
لا يعيش التونسيون الأزمة المناخية بالطريقة نفسها.في المناطق الداخلية والجنوبية، تكون الحرارة أعلى وأكثر جفافًا، بينما تضيف المناطق الساحلية عنصرًا آخر يتمثل في الرطوبة.ويشير حمدي حشاد إلى أن السواحل قد تواجه مزيجًا أكثر قسوة من حرارة مرتفعة، ورطوبة عالية، وبحر أكثر دفئًا، ورياح ضعيفة في بعض الفترات.أما في الداخل، فتكون الحرارة الصحراوية أكثر جفافًا، لكنها قد تصل إلى مستويات مرتفعة جدًا، ما يجعل التعرض المباشر للشمس والعمل في الهواء الطلق أكثر خطورة.وهذا الاختلاف الجغرافي يفرض على تونس ألا تتعامل مع التغير المناخي باعتباره أزمة واحدة لها حل واحد، بل باعتباره مجموعة من المخاطر التي تتغير من منطقة إلى أخرى
هل أصبح هذا هو «المناخ الطبيعي» الجديد؟
يؤكد حشاد أن تونس لم تتحول جغرافيًا إلى بلد مداري، لكن بعض خصائص الحرارة التي ترتبط عادة بالمناخات المدارية أصبحت أكثر حضورًا في فصل الصيف، خصوصًا ارتفاع الرطوبة والحرارة المحسوسة ودفء البحر والليالي الحارة.وهنا تطرح المسألة سؤالًا أكبر: ماذا يحدث عندما تتحول الظواهر التي كانت تُعتبر استثنائية إلى ظواهر متكررة؟الخطر الحقيقي في التغير المناخي لا يكمن فقط في تسجيل رقم قياسي جديد، وإنما في تغير خط الأساس نفسه. أي أن ما كان نادرًا في السابق يمكن أن يصبح مألوفًا، وما كان يُعتبر موجة حر استثنائية قد يصبح جزءًا من فصل الصيف المعتاد.وهذا ينطبق أيضًا على المياه. فالمشكلة ليست فقط في سنة جافة أو موسم أمطار ضعيف، وإنما في احتمال أن تصبح فترات الجفاف أطول وأكثر تكرارًا، بينما يرتفع الطلب على المياه بسبب الحرارة والسكان والأنشطة الاقتصادية.
تونس أمام معادلة صعبة
المعادلة المناخية التي تواجهها تونس واضحة: حرارة أعلى تعني طلبًا أكبر على المياه، وتبخرًا أكبر، وضغطًا أكبر على الزراعة والطاقة، بينما يؤدي نقص الأمطار إلى تقليص الموارد المتاحة أصلًا.لذلك، فإن التعامل مع أزمة المياه لا يمكن أن يقتصر على البحث عن مصادر جديدة. تونس تحتاج أيضًا إلى تقليل الهدر، وتحسين شبكات توزيع المياه، وتطوير تقنيات الري، وإعادة استخدام المياه المعالجة، وحماية الموارد الجوفية، والتوجه نحو الزراعات الأكثر قدرة على التكيف مع الجفاف.كما أن التكيف مع موجات الحر يتطلب إعادة التفكير في المدن والمباني وأماكن العمل، من خلال زيادة المساحات الخضراء، وتحسين العزل الحراري، وحماية العمال الذين يضطرون إلى العمل تحت درجات حرارة مرتفعة.أزمة المناخ في تونس، إذن، ليست أزمة طقس عابر. إنها أزمة موارد ونمط إنتاج واستهلاك وقدرة على التكيف.وإذا كانت الحرارة هي العلامة الأكثر وضوحًا للتغير المناخي، فإن الماء هو المؤشر الذي يكشف عمق الأزمة.فالبلد الذي ترتفع فيه درجات الحرارة بينما تتراجع قدرته على توفير المياه لا يواجه مجرد صيف أكثر سخونة، بل يواجه اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة والمجتمع والاقتصاد على التكيف مع مناخ يتغير بسرعة.وربما يكون السؤال الذي يجب أن تطرحه تونس اليوم ليس: «كم سترتفع درجات الحرارة؟»، وإنما: «كم من الماء سنملك عندما تصبح هذه الحرارة هي الوضع الطبيعي الجديد؟»