الرئيسيةA la uneالسعودية بين اليمن والسودان: هندسة نفوذ على أنقاض دول منهارة

السعودية بين اليمن والسودان: هندسة نفوذ على أنقاض دول منهارة

لا يمنح امتلاك المال والسلاح والتحالفات أي دولة حق التصرف في البحر الأحمر كأنه امتداد لحدودها، ولا يحول القدرة على التأثير في جيرانه إلى تفويض بالوصاية عليهم؛ فأمن المنطقة ليس اسما آخر لتفوق الرياض، واستقرارها لا يقاس بعدد الحلفاء الذين يدورون في فلكها، وحين تختلط حماية الممرات بحماية مواقع النفوذ، يصبح شعار الأمن نفسه بحاجة إلى مساءلة، لا إلى تصفيق.
المعيار الذي ينبغي وضعه أمام الرياض بسيط وقاس: ماذا أنتج هذا النفوذ لأمن الإقليم، لا لمكانة صاحبه؟ ففي يوليو/تموز 2026، أعلنت السعودية قيادة التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات واستضافة مقره الدائم لحماية الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن، ثم أعلن التحالف انتقاله إلى الانتشار النشط في سبتمبر/أيلول، وفق بيان التأسيس وإعلان الجاهزية العملياتية.

بناء التحالف لا يعني انتهاء التهديد

استمرار القتال حول الساحل اليمني واضطراب الإمدادات في أكتوبر/تشرين الأول أظهرا أن بناء التحالف لم يكن مرادفا لإنهاء التهديد، كما توضح رويترز. الفارق هنا ليس تفصيلا تقنيا؛ إنه المسافة بين إعلان القيادة وإثبات القدرة على إنتاج الأمن.
ليس الاعتراض أن تحالفا حديثا لم يحل كل المشكلات في أسابيع، بل أن تقاس جدوى الاستراتيجية بحجمها لا بنتائجها، وأن تفصل الحماية في البحر عن السياسة على البر. السفن لا تعبر فراغا والمضائق لا تنفصل عن الدول المطلة عليها، وإذا كانت العلاقات مع هذه الدول تبنى على تقوية طرف في مواجهة آخر، فإن زيادة السفن العسكرية قد تعالج بعض الأعراض، لكنها لا تفكك بالضرورة أسباب الاشتعال. البحر الأحمر لا يحتاج فقط إلى من يحرس عبوره؛ يحتاج أيضا إلى كبح السياسات التي تجعل ضفتيه قابلتين للانفجار.
وهنا تقع الرياض داخل المشكلة، لا على هامشها. فقد ربطت رويترز في 2 أكتوبر/تشرين الأول 2026 جانبا كبيرا من التوتر الممتد من اليمن إلى القرن الأفريقي بالمنافسة السعودية الإماراتية، ورصدت تقارب السعودية مع الجيش السوداني ومصر وإريتريا في مواجهة شبكة علاقات منافسة تقودها أبوظبي. هذه ليست خريطة تعاون بريء من الحسابات، بل مادة صريحة لقراءة المنطقة كساحة استقطاب.

حين تكون الحرب ثانوية أمام التحالفات المأزومة

المسألة ليست أن للرياض خصوما؛ المسألة أن مصالح مجتمعات كاملة يمكن أن تصبح تابعة لموازين الخصومة بين العواصم الراعية. عندها لا يعود السؤال من يحمي البحر، بل من يريد تقرير شكل السلطة على شواطئه.
يظهر هذا الخلل حين يصبح استمرار الحليف في الحرب أهم من تقليص قدرته على مواصلتها. ففي السودان، خلص تحليل «كرايسس24» في مارس/آذار 2026 إلى أن الرعاية السعودية والإماراتية المتنافسة تمنح طرفي القتال زخما يصعب الحفاظ عليه من دونها، وتضعف حوافز التفاوض، مع وصف الدعم السعودي للجيش بأنه سياسي واقتصادي في معظمه، والدور الإماراتي لمصلحة الدعم السريع بأنه الأشد تأثيرا عسكريا. وبحسب هذا التقييم، لا تحتاج المساهمة في إدامة الحرب إلى توقيع أمر بقصف مدينة؛ قد تعمل عبر إسناد يخفف كلفة الاستمرار على القيادة المتحاربة. ما يبقي الحليف صامدا ليس، بالضرورة، ما يبقي الدولة حية.

وتعلن السعودية أن هدفها وقف إطلاق النار والحفاظ على وحدة السودان ومؤسساته، وفقا لموقفها الرسمي أمام مجلس الأمن. لكن الخلاف ليس على جاذبية هذه الكلمات؛ بل على الفاصل بين حماية الدولة وحماية خيارات قائدها العسكري. لا يجوز أن تتحول عبارة «مؤسسات الدولة» إلى حصن لغوي يمنع فحص أثر الدعم على استمرار القتال. وإذا كانت المساندة تقلل حاجة الحليف إلى التسوية، فإن خطاب السلام لا يلغي أثرها، مهما تكرر. ليست الدولة ملكا لقيادتها، ولا سيادتها سندا يودع لدى الراعي الإقليمي.
الأخطر أن شبكة المصالح لا تتوقف عند حدود الحرب السودانية. فقد نقلت رويترز عن دبلوماسيين مشاركة قوات من تيغراي إلى جانب الجيش السوداني، واستضافة الخرطوم اجتماعات أفضت إلى تحالف للمتمردين الإثيوبيين، بالتوازي مع علاقاتها الوثيقة بالرياض. وحين يصبح كل طرف محلي بوابة لصراع إقليمي آخر، لا تعود سياسة المحاور مجرد لعبة توازن؛ تصبح آلية محتملة لتوسيع النزاع ونقل توتره من جبهة إلى أخرى.
وفي هذا السياق تحديدا يكتسب الدعم السعودي غير المباشر لتيغراي دلالته السياسية. فقد رأى مركز صوفان في أغسطس/آب 2026 أن السعودية ومصر ألقتا بثقلهما خلف إريتريا، وبالامتداد خلف جبهة تحرير شعب تيغراي، في مواجهة الطموحات الإثيوبية على البحر الأحمر. ووضع التحليل الإسناد السعودي لأسمرة في إطار الاصطفاف الجيوسياسي والدبلوماسية والاستثمارات، لا في إطار إثبات تسليح سعودي مباشر للجبهة، بحسب المركز نفسه. وبناء على هذه القراءة، فإن الخطر ليس محصورا في وجود شحنة سلاح من عدمه؛ إنه كامن أيضا في تقوية محور تستفيد منه قوة تنازع الحكومة الفيدرالية الإثيوبية. لا تصبح السياسة محايدة لمجرد أن أثرها يمر عبر حليف.
ويظل تقدير حجم هذا الإسناد محل اختلاف؛ إذ نقلت دويتشه فيله عن ماغنوس تايلور من مجموعة الأزمات الدولية أن الرياض لا تدعم بقوة تيغراي أو جماعات المعارضة الإثيوبية الأخرى. كما أن علاقة إريتريا بالجبهة تبدلت من قتالها إلى جانب الحكومة الإثيوبية في حرب 2020–2022 إلى التقارب معها لاحقا، وفق مجموعة الأزمات الدولية.
وعلى الضفة المقابلة، يقدم اليمن اختبارا أكثر مباشرة للفجوة بين إخضاع الميدان وإنهاء الحرب. ففي يناير/كانون الثاني 2026، استعادت قوات حكومية مدعومة من السعودية مناطق في حضرموت والمهرة بإسناد غارات سعودية، بينما كانت الرياض تدعو إلى حوار بشأن القضية الجنوبية، بحسب رويترز.
وفي أكتوبر/تشرين الأول، رصدت الوكالة تجدد القتال وانهيار هدنة 2022، مع استعادة القوات الحكومية المدعومة سعوديا مناطق ساحلية من الحوثيين، وفق تقريرها في 27 أكتوبر/تشرين الأول. المكسب الميداني قائم، لكن تحويله إلى شهادة نجاح استراتيجي يحتاج إلى أكثر من تبدل السيطرة. لا تنتصر استراتيجية الأمن لمجرد أن حليفها تقدم، إذا بقيت الحرب قادرة على العودة وتهديد الممر نفسه.
هذا هو الخلل الذي ينبغي مواجهته بلا لغة مخففة؛ فأمن اليمن ليس ضمان تفوق الطرف الأقرب إلى السعودية، وأمن القرن الأفريقي ليس بناء طوق يضيق على إثيوبيا، وأمن السودان ليس إبقاء قيادة عسكرية في موقع يسمح لها برفض التسوية.
هذه معايير نفوذ، لا تعريفات كافية للاستقرار. وحين يقدم انتصار الحليف بوصفه مصلحة عامة للمنطقة، يجري شطب مصالح من لا ينتمون إلى محوره، عندها تصبح كلمة الأمن أداة إقصاء؛ ولهذا لا يكفي الرد على النقد بإحصاء الاتفاقات والشركاء. فقد أضافت السعودية إلى التحالف البحري اتفاق مكة للدفاع المشترك مع تركيا وباكستان في أغسطس/آب 2026، ثم اتفقت أطرافه في أكتوبر/تشرين الأول على الانتشار السريع لقدرات وقوات داخل المملكة، وفق رويترز.
لكن الاتفاق الدفاعي يثبت التزاما بين أطرافه، لا نجاحا تلقائيا في معالجة النزاعات المحيطة، ويمكن لقدرات الحماية أن تتسع بينما تبقى التسوية السياسية متعثرة، تحويل كثرة التحالفات إلى برهان على استقرار لم يتحقق بعد ليس تحليلا؛ إنه استبدال النتيجة المنشودة بصورة الوسائل.
ولا تعني مساءلة الرياض تبرئة الحوثيين من هجماتهم، أو أطراف الحرب السودانية من مسؤولياتها، أو القوى الخارجية المنافسة من أدوارها. إنها رفض لحيلة سياسية تجعل خطأ الخصم مخرجا دائما من مراجعة الذات؛ فليس من حق السعودية أن تختزل أمن الآخرين في خدمة حقها، ولا أن تطلب امتياز القيادة ثم تتنصل من حساب نتائجها، المسؤولية ليست حصرية كي تكون حقيقية، ومشاركة الآخرين فيها لا تمحو نصيب الرياض منها.
والاختبار الذي يفضح التناقض، أو ينفيه، ليس قدرة السعودية على جمع مزيد من الحلفاء؛ بل استعدادها لقبول تسوية لا تمنحها اليد العليا، والضغط على حلفائها لا على خصومها وحدهم، وفصل سلامة الملاحة عن صراعها على تشكيل السلطة في الدول المجاورة. هنا يتحدد إن كانت الأولوية لتقليل التوتر أم لحماية موقع داخل التوتر، وكل ما عدا ذلك يمكن أن يتحول إلى إدارة بارعة للأزمة، لا إلى إنهائها.
البحر الأحمر ليس جائزة لمن يملك شبكة علاقات أوسع، وشعوبه ليست الكلفة الجانبية لتوازنات الرعاة، وإذا أرادت الرياض أن تقدم نفسها قوة استقرار، فعليها أن تقبل قياس دورها بما ينحسر من حرب، لا بما يتسع من نفوذ. فلا تمنح القوة صك ملكية، ولا يصنع الأمن بإخضاع الجوار، ولا تستحق سياسة تغذي الاستقطاب حصانة لمجرد أنها ترفع راية حمايته.

مقالات ذات صلة
- Advertisment -
Google search engine

الأكثر شهرة

احدث التعليقات