الرئيسية بلوق

حيت تجفٌ المياه وتبقى الحرارة: تونس أمام واقع مناخي جديد

أبراج الكهرباء وطواحين الهواء في مقاطعة منغوليا الداخلية، الصين

لم تعد أزمة المناخ في تونس تُقاس فقط بدرجات الحرارة القياسية التي تسجلها محطات الرصد خلال فصل الصيف. فالتغير المناخي أصبح يُترجم في تفاصيل الحياة اليومية: مياه أقل، موجات حر أطول، ليالٍ لا تمنح الجسم فرصة لاستعادة توازنه، وضغط متزايد على الزراعة والطاقة والموارد الطبيعية.وفي بلد يعاني أصلًا من محدودية موارده المائية، يبدو أن ارتفاع الحرارة والجفاف لم يعودا ظاهرتين منفصلتين، بل أصبحا جزءًا من أزمة واحدة تتغذى عناصرها من بعضها بعضًا.من ارتفاع

من ارتفاع الحرارة إلى «حرارة محسوسة» أكثر قسوة

يصف الخبير في المناخ حمدي حشاد في تدوينة له على فيسبوك التحول الذي تشهده تونس بالقول إن البلاد لم تعد تعيش فقط ارتفاعًا في درجات الحرارة، بل بدأت بعض مناطقها تشهد ظروفًا تشبه في خصائصها الأجواء المدارية: حرارة مرتفعة، رطوبة خانقة، وغياب الانتعاش الليلي.و«الحرارة المدارية» ليست تصنيفًا مناخيًا رسميًا، وفق حشاد، وإنما وصف لحالة تتجمع فيها الحرارة والرطوبة وارتفاع درجة حرارة الليل، ما يجعل الإحساس بالحرارة أكبر بكثير من الرقم الذي تسجله أجهزة الرصد.وتزداد هذه الظاهرة وضوحًا خصوصًا في المناطق الساحلية. فقد لا تتجاوز الحرارة المقاسة 34 أو 35 درجة مئوية، لكن ارتفاع الرطوبة يجعل الحرارة التي يشعر بها الإنسان أعلى بكثير.ويشرح حشاد أن ارتفاع نقطة الندى، خصوصًا عندما تتجاوز مستويات مرتفعة، يجعل الهواء أكثر رطوبة وصعوبة على الجسم في التخلص من حرارته. فالإنسان يعتمد على تبخر العرق لتبريد جسده، لكن الرطوبة العالية تقلل من فعالية هذه العملية، فيصبح الإحساس بالإرهاق والاختناق أكثر حدة.وهنا تكمن إحدى المفارقات المناخية الجديدة في تونس: الرقم الذي يظهر على شاشة ميزان الحرارة لم يعد وحده كافيًا لفهم حجم الخطر

الليل لم يعد مساحة للراحة

لا تتوقف الأزمة عند غروب الشمس.من أبرز المؤشرات التي يلفت إليها حشاد ارتفاع درجات الحرارة ليلًا. فالليلة التي لا تنخفض فيها الحرارة الدنيا عن 20 درجة تُعد، وفق التعريف الذي يستند إليه، «ليلة مدارية»، بينما تصبح الظروف أكثر قسوة عندما تبقى الحرارة فوق 25 درجة.وقد يبدو ارتفاع حرارة الليل أقل خطورة من ارتفاعها خلال النهار، لكنه في الواقع يضاعف آثار موجات الحر. فالجسم يحتاج إلى انخفاض درجات الحرارة ليلًا حتى يتخلص من الحرارة المتراكمة خلال النهار، كما تحتاج المباني وشبكات الطاقة إلى فترة من التبريد.وعندما لا يحدث ذلك، تتراكم الحرارة داخل المنازل والجدران، ويستمر استخدام أجهزة التكييف خلال الليل، ما يرفع استهلاك الكهرباء ويزيد الضغط على شبكة الطاقة.وتصبح الفئات الأكثر هشاشة، مثل كبار السن والعمال في الهواء الطلق ومرضى الأمراض المزمنة، أكثر عرضة لتداعيات الإجهاد الحراري.

لكن الوجه الأخطر للأزمة هو الماء

وراء كل هذه المؤشرات المناخية تبرز قضية أكثر عمقًا: المياه.فارتفاع الحرارة لا يعني فقط أن الإنسان يحتاج إلى شرب كميات أكبر من الماء، بل يعني أيضًا زيادة الطلب على المياه في الزراعة، وارتفاع معدلات التبخر، وتفاقم الضغط على السدود والموائد المائية والمصادر الجوفية.في تونس، حيث تتفاوت الموارد المائية بشدة بين الشمال والوسط والجنوب، يمكن لموسم جفاف طويل أن يتحول بسرعة إلى أزمة متعددة الأبعاد.المشكلة أن المياه ليست موردًا يمكن تعويض نقصه بسهولة خلال أسابيع. فالأمطار الغزيرة في فترة قصيرة لا تعني بالضرورة انتهاء أزمة الجفاف، لأن جزءًا مهمًا من المياه قد يضيع بالجريان السطحي، بينما تحتاج الموارد الجوفية والسدود والأنظمة البيئية إلى فترات أطول حتى تستعيد توازنها.ومع ارتفاع درجات الحرارة، تزداد عملية التبخر، ما يعني أن كمية المياه المتاحة للاستهلاك قد تتراجع حتى عندما تكون الأمطار المسجلة قريبة من المعدلات المعتادة

الزراعة في قلب المعادلة

القطاع الزراعي هو أحد أكثر القطاعات تعرضًا لهذا التغير.فالفلاح التونسي يواجه معادلة صعبة: حرارة أعلى، أمطار أقل انتظامًا، ومياه ري محدودة. وفي المقابل، تحتاج النباتات إلى كميات أكبر من المياه لمواجهة الإجهاد الحراري.وهذا يهدد المحاصيل ويزيد كلفة الإنتاج، وقد يدفع بعض الفلاحين إلى تقليص المساحات المزروعة أو التخلي عن بعض الزراعات التي تتطلب كميات كبيرة من المياه.ولا تتوقف آثار الأزمة عند الفلاح. فعندما تتراجع الإنتاجية الزراعية أو ترتفع تكلفة الإنتاج، تنتقل آثار الأزمة إلى الأسواق والأسعار والأمن الغذائي.بهذا المعنى، فإن أزمة المياه ليست قضية بيئية فقط، بل هي قضية اقتصادية واجتماعية أيضًا

السواحل والداخل: أزمتان بوجهين مختلفين

لا يعيش التونسيون الأزمة المناخية بالطريقة نفسها.في المناطق الداخلية والجنوبية، تكون الحرارة أعلى وأكثر جفافًا، بينما تضيف المناطق الساحلية عنصرًا آخر يتمثل في الرطوبة.ويشير حمدي حشاد إلى أن السواحل قد تواجه مزيجًا أكثر قسوة من حرارة مرتفعة، ورطوبة عالية، وبحر أكثر دفئًا، ورياح ضعيفة في بعض الفترات.أما في الداخل، فتكون الحرارة الصحراوية أكثر جفافًا، لكنها قد تصل إلى مستويات مرتفعة جدًا، ما يجعل التعرض المباشر للشمس والعمل في الهواء الطلق أكثر خطورة.وهذا الاختلاف الجغرافي يفرض على تونس ألا تتعامل مع التغير المناخي باعتباره أزمة واحدة لها حل واحد، بل باعتباره مجموعة من المخاطر التي تتغير من منطقة إلى أخرى

هل أصبح هذا هو «المناخ الطبيعي» الجديد؟

يؤكد حشاد أن تونس لم تتحول جغرافيًا إلى بلد مداري، لكن بعض خصائص الحرارة التي ترتبط عادة بالمناخات المدارية أصبحت أكثر حضورًا في فصل الصيف، خصوصًا ارتفاع الرطوبة والحرارة المحسوسة ودفء البحر والليالي الحارة.وهنا تطرح المسألة سؤالًا أكبر: ماذا يحدث عندما تتحول الظواهر التي كانت تُعتبر استثنائية إلى ظواهر متكررة؟الخطر الحقيقي في التغير المناخي لا يكمن فقط في تسجيل رقم قياسي جديد، وإنما في تغير خط الأساس نفسه. أي أن ما كان نادرًا في السابق يمكن أن يصبح مألوفًا، وما كان يُعتبر موجة حر استثنائية قد يصبح جزءًا من فصل الصيف المعتاد.وهذا ينطبق أيضًا على المياه. فالمشكلة ليست فقط في سنة جافة أو موسم أمطار ضعيف، وإنما في احتمال أن تصبح فترات الجفاف أطول وأكثر تكرارًا، بينما يرتفع الطلب على المياه بسبب الحرارة والسكان والأنشطة الاقتصادية.

تونس أمام معادلة صعبة

المعادلة المناخية التي تواجهها تونس واضحة: حرارة أعلى تعني طلبًا أكبر على المياه، وتبخرًا أكبر، وضغطًا أكبر على الزراعة والطاقة، بينما يؤدي نقص الأمطار إلى تقليص الموارد المتاحة أصلًا.لذلك، فإن التعامل مع أزمة المياه لا يمكن أن يقتصر على البحث عن مصادر جديدة. تونس تحتاج أيضًا إلى تقليل الهدر، وتحسين شبكات توزيع المياه، وتطوير تقنيات الري، وإعادة استخدام المياه المعالجة، وحماية الموارد الجوفية، والتوجه نحو الزراعات الأكثر قدرة على التكيف مع الجفاف.كما أن التكيف مع موجات الحر يتطلب إعادة التفكير في المدن والمباني وأماكن العمل، من خلال زيادة المساحات الخضراء، وتحسين العزل الحراري، وحماية العمال الذين يضطرون إلى العمل تحت درجات حرارة مرتفعة.أزمة المناخ في تونس، إذن، ليست أزمة طقس عابر. إنها أزمة موارد ونمط إنتاج واستهلاك وقدرة على التكيف.وإذا كانت الحرارة هي العلامة الأكثر وضوحًا للتغير المناخي، فإن الماء هو المؤشر الذي يكشف عمق الأزمة.فالبلد الذي ترتفع فيه درجات الحرارة بينما تتراجع قدرته على توفير المياه لا يواجه مجرد صيف أكثر سخونة، بل يواجه اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة والمجتمع والاقتصاد على التكيف مع مناخ يتغير بسرعة.وربما يكون السؤال الذي يجب أن تطرحه تونس اليوم ليس: «كم سترتفع درجات الحرارة؟»، وإنما: «كم من الماء سنملك عندما تصبح هذه الحرارة هي الوضع الطبيعي الجديد؟»

“قصف تشاد” يعيد جدل الدور التركي في حرب السودان

■ JDD Tunisie — السودان

دخلت الحرب السودانية مرحلة جديدة، قد تبدو الأخطر في سياق تطورها منذ اندلاعها في 2023، وذلك بتخطيها للحدود الجغرافية للبلد الأفريقي. اتهم الجيش التشادي، مؤخراً، القوات المسلحة السودانية، بتنفيذ غارة جوية استهدفت رتلاً عسكرياً داخل أراضيها. وقالت هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة التشادية إن القصف وقع نحو الساعة الثامنة من مساء الخميس 20 أغسطس، في مقاطعة موردي بإقليم إنيدي الشرقي، قرب الحدود المشتركة بين البلدين.

من جهة أخرى، أفادت تقارير إعلامية أن غارة الجيش السوداني استهدفت رتلاً كان يحمل تعزيزات لقوات الدعم السريع، التي يصفها بالمتمردة. وأدانت الولايات المتحدة بشدة الضربات الجوية الأخيرة التي نفذتها القوات المسلحة السودانية داخل الأراضي التشادية، وقال مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، إن “الولايات المتحدة تدين الضربات الجوية الأخيرة التي شنتها القوات المسلحة السودانية داخل تشاد”، مؤكداً ضرورة وقف العنف داخل السودان وخارجه، ومشددا على أنه “لا يوجد حل عسكري لهذا الصراع، ولا يوجد على الإطلاق أي مبرر لتوسيع نطاق العنف خارج حدود السودان”.

“لا يوجد حل عسكري لهذا الصراع، ولا يوجد أي مبرر لتوسيع نطاق العنف خارج حدود السودان” — مسعد بولس، مستشار البيت الأبيض

كما اقترحت واشنطن في مجلس الأمن، مؤخراً، توسيع حظر السلاح المفروض على دارفور منذ 2005 ليشمل البلاد كلها، بما في ذلك المسيّرات، محذرة من أن الدعم العسكري والمالي الخارجي يطيل الحرب ويهدد بجذب دول الجوار إليها. واندرات الحرب في الـ15 من أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، فيما ظلت مشتعلة حتى الآن، رغم تعدد المبادرات الأممية والدولية لإيقافها.

وإلى جانب ما تمثله الحادثة من تطور خطير بفتح جبهات خارجية للحرب السودانية، فإنها لفتت الانتباه إلى التطور في القدرات الجوية للجيش السوداني، في وقت تثير عدة تقارير تساؤلات عن الجهة الممولة لذلك، حيث تحضر في الواجهة المسيرات التركية.

تقرير فرنسي يؤكد الدور التركي

وفي هذا السياق، نشرت صحيفة «لوموند» الفرنسية تقريراً حديثاً ذكرت فيه أن تركيا هي الداعم العسكري الرئيسي للجيش منذ بداية الحرب، مشيرة إلى أنها زودته بمسيّرات «TB2» و«Akıncı» ونشرت مدربين إلى جانبه، فيما تمول السعودية، بحسب الصحيفة، شراء المسيّرات التركية والأسلحة الباكستانية لمصلحة الجيش.

وكانت المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان قد أبرمت في الـ7 من أغسطس اتفاقية للدفاع المشترك، وسميت بـ”اتفاقية مكة للدفاع المشترك”، في إشارة إلى مكان توقيعها. وبحسب «لوموند» فإن مؤشرات التعاون السعودي–التركي–الباكستاني في السودان سبقت توقيع الاتفاق بأكثر من عام، وإن الرياض تمول شراء مسيّرات تركية وسلاح باكستاني للقوات المسلحة السودانية. كما تحدثت عن عقد باكستاني ضخم تبلغ قيمته 1.5 مليار دولار يشمل مقاتلات ومدرعات ومسيّرات.

ومنذ أواخر 2024، دخلت مسيّرات «Bayraktar TB2» و«Bayraktar Akıncı» ضمن القدرات الجوية للجيش، وفق مصادر عسكرية متخصصة. وذكر «Africa Defense Forum» أن تركيا واصلت دعم قيادة الجيش عبر بيع الطرازين، فيما وثقت «Fair Observer» استخدام ذخائر التحليق الانتحاري التركية «Eren» التي تطلق من منصات «Akıncı»، وربطت أثرها بفك حصار الدلنج وكادقلي وإعادة فتح خطوط الإمداد جنوب الأبيض.

كما تحدثت دوريات دفاعية إسبانية عن مواجهات بين مسيّرات ثقيلة في الأجواء السودانية، بينها منظومات تركية وصينية، فيما يستخدم الجيش أيضاً تقنيات إيرانية، في تحول جعل سماء السودان ميداناً لتنافس منظومات عسكرية متعددة. وعلى الرغم من عدم وجود أدلة حقيقية على قيام طائرات من طراز «Bayraktar» بتنفيذ القارة، فإن حضور السلاح التركي في الحرب السودانية يبدو ثابتاً على الأرجح، بحسب تقارير إعلامية.

وفي مارس 2025، كشفت «Washington Post»، استناداً إلى عقود ومراسلات وسجلات ومواد مرئية، عن تعاملات لا تقل قيمتها عن 120 مليون دولار بين «Baykar» والجانب السوداني، شملت مسيّرات ومعدات مرتبطة بها ووجود موظفين للشركة لتقديم الدعم الفني.

وفي مايو 2026، تحدثت «Chatham House» عن تقارير بشأن تزويد تركيا الجيش بمنظومات مسيّرة، بينما نفت أنقرة تقديمها مباشرة إلى القوات المسلحة. ثم اكتسب الملف غطاءً سياسياً أوضح عندما أعلنت الرئاسة التركية بعد لقاء رجب طيب أردوغان وعبد الفتاح البرهان في يونيو 2026 أن الدفاع بات أحد مجالات التعاون بين البلدين. وبحسب تقارير، تهدف أنقرة من وراء ذلك إلى العثور على موقع على البحر الأحمر وفرصاً مستقبلية في التعدين والبنية التحتية والزراعة وإعادة الإعمار. ولهذا بقيت سواكن حاضرة في المشهد التركي، من دون دليل حتى الآن على إحياء مشروع قاعدة عسكرية.

✧ قراءة من «JDD-TUNISIE» — النص الأصلي منشور في ٢٧ أغسطس ٢٠٢٦ #السودان #تركيا #تشاد #Bayraktar
“`

حزب الوطد الثوري الماركسي اللينيني يجيب حمّة الهمامي: “لقد غيبت قصدا الحقائق التاريخية”

حمه الهمامي وغياب النزاهة والمصداقية والجرأة في تقييم تجربة “الجبهة الشعبية

نشر حمه الهمامي أمين عام “حزب العمال” على صفحته الخاصة بتاريخ 11 أوت 2026 مقالا يحمل عنوان ” جدل حول الثورة والثورة المضادّة في تونس: من أجل وضع الأمور في نصابها”، يقيم فيه الوضع العام في البلاد خلال “العشر سنوات التي تلت الثورة والتي أدت الى انقلاب قيس سعيد” وفق تحديده،ويهاجم فيه منظومة 25 جويلية وبعض معارضيها و “الترويكا” (حركة النهضة وحزب المؤتمر من أجل الجمهوريّة والتكتل الديمقراطي ) و تحالف ” نداء تونس / حركة النهضة / الاتحاد الوطني الحر” و ” حكومة الوحدة الوطنية برئاسة يوسف الشاهد” وحكومة الياس الفخفاخ وحكومة هشام المشيشي والاعلام ويعتبرهم ” مسؤولين عن السياسات التي أدت إلى الالتفاف على ثورة الشعب التونسي ومهّدت لانقلاب 25 جويلية 2021″ و إلى الازمة الخانقة التي تعيشها البلاد. ولم يتوقف حمه الهمامي عند هذا الحد بل تعداه لتقييم تجربته وتجربة “الجبهة الشعبية” والدور الذي قامت به خلال تلك الفترة قائلا:” إنّ حزب العمال، لمن لم يطّلع على وثائقه، لم يكتف بنقد الآخرين فحسب بل قيّم تجربته وتجربة الجبهة الشعبيّة في أكثر من مناسبة ووقف عند نقاط ضعفه وضعف الأحزاب اليساريّة الثوريّة والتقدميّة. إنّ “خطيئة” الجبهة الشعبية بمن فيها حزب العمال هو أنّها تحوّلت في وقت من الأوقات إلى كتلة برلمانية وأهملت العمل في صفوف الشعب، ولم تَسْعَ إلى تنظيم صفوفها في كافة المستويات لتفرض نفسها بديل حكم، وخضعت لابتزاز بعض الأطراف الانتهازية داخلها التي كانت تدافع عن “الدخوليّة” وتنسّق مع القصبة أو قرطاج لضرب وحدة الجبهة وخطها النضالي طمعا في منصب. وبعبارة أخرى فإذا كان لحزب العمال والقوى الثورية من مسؤولية فيما جرى فهي تتمثل، حسب رأينا، في كونهما فشلا في التصدي لقوى الثورة المضادة بجناحيها الديني والليبرالي التي تمكّنت من إعادة إنتاج نفس النظام الطبقي السابق بخياراته اللاوطنيّةواللاشعبيّة”
ان هذا الحديث الفضفاض البعيد كل البعد عن التحليل والفهم الطبقيين غيب فيه حمه الهمامي قصدا الحقائق التاريخية حول دور الأطراف المتنفذة في “الجبهة الشعبية” وفي مقدمتها “حزب العمال ” و”الموحد” في إجهاض المسار الثوري الذي فجرته انتفاضة 17 / 14، وفي تخريب الجبهة الشعبية من الداخل ودفنها بعد ان قتلوها في المهد. و لن نتوقف هنا عند توضيح الدور الذي قامت الدول الاستعمارية ومنظومات الحكم المتداولة على السلطة من النهضة الى نداء تونس إلى25 جويلية والسائرين في ركبهم في تخريب الانتفاضة وتحويل حياة الشعب إلى جحيم، وهو أمر مفهوم بحكم معاداة الامبريالية للعمال والشعوب المضطهدة والحركات الثورية وبحكم أن تلك المنظومات هي مكون من مكونات النظام الحاكم اللاوطنيواللاشعبي واللاديمقراطي جلاد الشعب،لكننا سنركز على توضيح الدور التخريبي للمسار الثوري الذي قامت به الأطراف المتنفذة داخل الجبهة “الشعبية” خلال المرحلة التي يتحدث عنها الهمامي من أجل استخلاص الدروس الضرورية لبناء أي عمل جبهوي ثوري مستقبلي في القطر، ذلك أن العامل الذاتي هو المحدد في الحركة الثورية الهادفة الى تحقيق التحرر الوطني الديمقراطي وبناء الاشتراكية من وجهة نظر الطبقة العاملة كبديل للنظام القائم الموغل في الرجعية والعمالة.
ففي الفترة الممتدة من 7 أكتوبر 2012 (تاريخ تأسيسها) إلى 25 جويلية 2013 (تاريخ اغتيال محمد البراهمي) أي في ظرف حوالي 8 أشهر أصبحت الجبهة الشعبية – التي حزب الوطد الثوري الماركسي اللينينيأحد مؤسسيها -قوة ضاربة مؤثرة في حركة الصراع الطبقي والنضال الوطني قادرة على تحريك الآلاف من الجماهير الشعبية في الشوارع وذلك للآسباب التالية:
1- صاغت الجبهة أرضية سياسية ذات توجه وطني ديمقراطي ثوري.
2- تبنت المطالب الشعبية التي رفعت في الإنتفاضة و في مقدمتها “الشعب يريد إسقاط النظام”
3- اعتمدت الشرعية الثورية أسلوبا رئيسيا للنضال ضد النظام العميل الحاكم ومن ورائه الامبريالية العالمية
4- خاضت في تلك الفترة نضالا لا هوادة فيه ضد أعداء الشعب الامبرياليين والمحليين وفي مقدمتهم كل من حركة “النهضة” و حركة “نداء تونس” وكل السائرين في ركبهما
5- ركزت على النضال الميداني اليومي في مقدمة الجماهير الشعبية مواكبة بذلك النضالات الجماهيرية في جل مناطق القطر مما جعل مناضلوها يتعرضون للقمع والعنف الرجعي من قبل السلطة ومختلف القوى المضادة للمسار الثوري.
هكذا إذن كانت انطلاقة الجبهة الشعبية استنادا لأرضيتها السياسية التي جاء فيها:
” لئن تمكنت ثورة شعبنا يوم 14 جانفي 2011 من الإطاحة برأس النظام السابق، رمز العمالة و الإستبداد و الفساد، فإن القوى المضادة للثورة تسعى إلى تنظيم صفوفها من جديد للإلتفاف على المسار الثوري و المحافظة على جوهر النظام السائد وعلى خياراته السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية المرتبطة عضويا بدوائر الرأسمال العالمي، و هي خيارات ثبت إفلاسها في العديد من بلدان العالم ، علاوة على أن توجهات الائتلاف الحاكم بعد انتخابات 23 أكتوبر تفضح التزامه باتفاقات نظام بن علي و تعهداته الدولية السابقة، و تواصل فتح أبواب تونس على مصراعيها أمام النهب الاقتصادي و المالي الخارجي و المحلي، و المواصلة في سياسة المديونية المدمرة للاقتصاد الوطني، و التركيز على القطاعات الهشة رافضة خيار بناء اقتصاد وطني قادر على تحقيق التحرر الوطني و الانعتاق الاجتماعي و على حمايته من مخاطر أزمات العولمة ضاربة عرض الحائط بأهداف ثورة الحرية و الكرامة و بمطالب الشعب الأساسية و حقه في العدالة و العيش الكريم .
و لأن الوضع السياسي الراهن في تونس بعد 23 أكتوبر 2011 يؤكد عدم قطع الائتلاف الحاكم مع الماضي المظلم، و سعيه المستمر إلى الالتفاف على المسار الثوري، و فشله في معالجة المشاكل المزمنة التي عانى منها شعبنا و ما يزال و في مقدمتها البطالة و غلاء المعيشة و تدهور المقدرة الشرائية وتردي الخدمات الأساسية.
ووفاء منا لدماء الشهداء و مواصلة ما راكمته جماهير شعبنا وقواه الثورية من نضالات، وإيفاء باستحقاقات استكمال المسار الثوري، فإننا نتعهد بمواصلة النضال الثوري بأبعاده الوطنية و الديمقراطية و الاجتماعية و الثقافية حتى تحقيق أهداف الثورة كاملة. ولن يكون ذلك ممكنا إلا بتحالف القوى الثورية والتقدمية صلب جبهة مناضلة تقدم البديل السياسي والتنظيمي الكفيل بالتصدي للقوى المضادة للثورة، والقطع مع حالة الاستقطاب الثنائي الرجعي في وجهه الليبرالي أو المتستر بالدين والدافع باتجاه طمس التناقض الرئيسي بين قوى الثورة وأعدائها. و يتأسس هذا البديل على أرضية سياسية تشكل الحد الأدنى السياسي و الوطني لكل القوى و الإطراف الوطنية و الشعبية المتمسكة بالنضال من أجل تحقيق أهداف الثورة و العمل على إنجاحها.” ( راجع الأرضية السياسية للجبهة الشعبية).
يوم 26 جويلية 2013 ، أي مباشرة بعد اغتيال البراهمي وإثر اللقاء المنعقد في تونس العاصمة يوم 3 جويلية 2013 والذي جمع بين كل من فرانسوا هولاند رئيس أحد أكبر الدول الاستعمارية الراعية للإرهاب في العالم والباجي قائد السبسي رئيس حركة “نداء تونس” ( بديل فرنسا للتجمع المنحل قانونا) وحمة الهمامي الناطق الرسمي باسم الجبهة الشعبية وأحمد نجيب الشابي عن “الحزب الجمهوري” وأحمد ابراهيم عن “حزب المسار”،انطلاقا من تلك الفترة انخرطت الأطراف المتنفذة داخل الجبهة الشعبية رسميا في تحالف رجعي مع أعداء الشعب وفي مقدمتهم حزب “نداء تونس”ورئيسه السبسي في إطار ما عرف بـ ” جبهة الانقاذ” متنكرة لأرضية الجبهة السياسية ومنقلبة عليها محولة بذلك موقعها من جبهة الشعب إلى جبهة الامبريالية. وقد ورد في البيان التأسيسي لتلك الجبهة ما يلي:
” نعلن بعث جبهة للإنقاذ الوطني لإنجاز المهام التالية :
ـ تشكيل الهيئة الوطنية العليا للإنقاذ الوطني الممثلة للأحزاب السياسة ومكونات المجتمع المدني التي ستتولى، بالاستعانة مع خبراء القانون الدستوري، استكمال صياغة الدستور في بحر شهرين يعرض على الاستفتاء الشعبي.
ـ تشكيل حكومة إنقاذ وطني محدودة العدد لا تترشح في الانتخابات القادمة متطوعة برئاسة شخصية وطنية مستقلة متوافق عليها تتخذ ضمن برنامجها جملة الإجراءات الإستعجالية الاقتصادية والاجتماعية و السياسية والأمنية و تعد لانتخابات ديمقراطية، نزيهة وشفافة.

  • نهيب بقوّات الجيش الوطني والأمن الداخلي بأن تحترم إرادة الشعب وأن تحمي نضالات الشعب السلمية والممتلكات الخاصة و العامة.
  • ندعو مؤسّساتنا الإعلامية إلى دعم الحراك الشعبي الهادف إلى تصحيح مسار الثورة.”( راجع البيان التأسيسي لـ ” جبهة الإنقاذ”)
    في 16 أكتوبر 2013 انخرطت الأطراف المتنفذة داخل الجبهة في ما عرف بالمؤتمر الوطني للحوارالكارثة جنبا إلى جنب مع ” النهضة ” والنداء” أعداء الشهداء،وتواطأت مع السبسي وحزبه الذي وظفها في صراعة الانتهازي مع “النهضة” من أجل الوصول إلى سدة الحكم، صراعرجعي نهاب،يحركة التنافس الإستعماري بين كل من فرنسا ( تدعم “النداء”) والولايات المتحدة الأمريكية (تدعم “النهضة”) من أجل إحكام السيطرة على تونس في إطار إعادة تقسيم العالم.
    وفي انتخابات 2014 المهزلة صوت جزء هام من الأطراف المتنفذة داخل الجبهة الشعبية للسبسي في الرئاسية كما أدى 14 من نوابها في برلمان كبار السماسرة والملاكين العقاريين من جملة 15 بأصواتهم لفائدة التجمعيمحمد الناصر مرشح “النداء” لرئاسة المجلس.
    أما يوم 23 ديسمبر 2013 فقد التقى وفد من الأطراف المتنفذة داخل الجبهة وفي مقدمته ناطقها الرسمي حمه الهمامي مع سفير الولايات المتحدة الأمريكية أكبر دولة استعمارية في العالم، ثم بعد ذلك مع سفراء دول ” الاتحاد الأوروبي” الامبريالي مصاص دماء شعبنا.
    أمام هذا التوجه السياسي الانتهازي اليميني للأطراف المتنفذة في الجبهة الذي جسد تخليها التدريجي عن نهج الشرعية الثورية التي كرسها النضال الشعبي الميداني في الشوارع والساحات والأرياف و بالتالي ارتمائها الكلي في مستنقع البرلمانية والتداول السلمي على السلطة، خاض حزب الوطد الثوري الماركسي اللينيني -من داخل الجبهة الشعبية في البداية ثم من خارجها- نضالا مبدئيا مريرا ضد هذا الانقلاب بـ 180 درجة على أرضية الجبهة، وضد قادته معتبرا أن هذا التمشي المبني على الوفاق الطبقي مع أعداء الشعب المحليين والامبرياليين وعلى استسلام الأطراف المتنفذة في الجبهة أمامهم بحثا عن المواقع في البرلمان الرجعي ولهثا وراء الحقائب الوزارية و كرسي رئاسة الدولة العميلة سيؤدي حتما وبالضرورة إلى انهيار الجبهة الشعبية، وهو ما بدأ يحدث منذ ارتمائها في أحضان ممثلي الدول الاستعمارية وتحالفها مع “نداء تونس” وتواطئها مع “النهضة” و “النداء” في الحوار الوطني المزعوم ( الحمار الوطني كما سماه أحد المشاركين فيه) لتخريب المسار الثوري المتأجج اثر اندلاع انتفاضة 17 ديسمبر 14 جانفي،وصولا إلى الانخراط في قائمات مشتركة مع النهضة في “الانتخابات البلدية” حول توزيع المهام في المجلس البلدي بمدينة العروسة من ولاية سليانة، انهيار نراه اكتمل بالهزيمة النكراء في “الإنتخابات” البلدية آنذاك وبانقسامات هائلة في صفوف تلك الأطراف ( “الموحد” و”حزب العمال” بالخصوص)،وبتفجر الصراعات الانتهازية بينها حول الترشح للرئاسة ( قدمت 3 مترشحين: الهمامي والبريكي والرحوي)، و حول تحديد القائمات الانتخابية البرلمانية لسنة 2019وبالفرقعة التي عاشتها الكتلة البرلمانية للجبهة إثر انسحاب 9 من أعضائها الخمسة عشر. لقد أصبحت الجبهة غير قادرة على تحريك عشرات الأشخاص في الشارع وأصبحت تقومبدور المستشار لدي السلطة تقدم لها مقترحات “الحلول” حول كيفية معالجة مشكلة البطالة والمديونية وانخفاض قيمة الدينار والتضخم وغيرها…
    ولا تفوتنا الإشارة هنا إلى الدور الانتهازي الذي قامت به المجموعةالمنشفيةالتصفوية المرتدة الشرعوية المسماة زورا وبهتانا بـ “الوطد الاشتراكي” التي هرولت للعودة للجبهة الشعبية بعد أن انسحبت منها وذلك لرأب الصدع بين مكوناتها وطمعا في تحقيق حلمها المتمثل في الحصول على مواقع في البرلمان الرجعي.
    إن الأحزاب المتنفذة داخل الجبهة الشعبية بحكم طبيعتها البرجوازية الصغيرة الانتهازية وتذبذبها والطمع الذي يحركها من أجل الحصول على المواقع والكراسي في مختلف مؤسسات الدولة، سرعان ما تخلت عن المسار الثوري لتحقيق أهداف الإنتفاضة وبدأت تبحث عن الوفاق مع أعداء الشعب (التجمعيين المرسكلين في جبهة”الانقاذ”، ثم “النداء” و”النهضة” والانتهازيين عموما في “الحوار الوطني” المزعوم ثم رؤساء الدول الامبريالية وسفرائها) و قامت تدريجيا بتنازلات لا مبدئية لهم ، ولقد وصل بها الأمر ببعضهم حد اللهث وراء نواب “النهضة” و”المؤتمر” لتزكية الناطق حمه الهمامي في الترشح لـ “لانتخابات الرئاسية”، وحد الرهان على السبسي لكشف قتلة شكري بلعيد، و حد التصويت للباجي قايد السبسي في الانتخابات الرئاسية، وهو ما يؤكده بيان الجبهة الذي وقعت فيه الدعوة إلى المشاركة في دورة الانتخابات الرئاسية الثانية بكثافة وإلى عدم التصويت للمرزوقي (وصل إلى الدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية كما هو معلوم كل من المرزوقي والباجي). فماذا يعني قرار ترك حرية التصويت لأنصار الجبهة والدعوة في الوقت نفسه الى عدم التصويت للمرزوقي؟ إنه لا يعني سوى التصويت للباجي قايد السبسي. إضافة إلى ذلك لابد من الإشارة إلى الدور التخريبي لـ “جبهة 14 جانفي3 ولـ “المجلس الوطني لحماية الثورة” الذي قام به كل من “حزب العمل الوطني الديمقراطي” و” حركة الوطنيين الديمقراطيين” و” حزب الطليعة العربي الديمقراطي” عندما التحق كل من عبد الرزاق الهمامي وشكري بلعيد وأحمد الصديق بـ ” الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي” صنيعة الامبريالية.

لقد احتد التناقض في فترة تاريخية معينة داخل الجبهة الشعبية وبالخصوص بعد اغتيال محمد البراهمي بين توجهين سياسيين واضحين: خط سياسي وطني ثوري يدافع عنه كل من حزب الوطد الثوري الماركسي اللينيني وبعض الأطراف الأخرى وخط إصلاحي انتهازي بقيادة الأطراف المتنفذة في الجبهة التي لم تفعل سوى تنفيذ مشروع برنامج “الجبهة الديمقراطية الواسعة” التي نظر لها شكري بلعيد وكانت الأساس الذي انبنت عليه ما تسمى بجبهة الانقاذ، خط إصلاحي جرّ الجبهة إلى منظومة 23 أكتوبر مشروع الامبريالية ووكلائها المحليين. وعلى هذا الأساس توج نضال حزب الوطد الثوري الماركسي اللينيني ضد القيادة الانتهازية المتنفذة في الجبهة بانسحابه منها يوم 26 جويلية 2013 أي يوم صدور البيان التأسيسي لـ “جبهة الانقاذ” السيئة الذكربعد اقتناعه الراسخ بأن وحدة الممارسة انتهت داخل الجبهة وبأن تلك الأطراف مصرة على الارتماء في مستنقع وكلاء الامبريالية، رافضا بذلك أن يكون أداة تزكية لقرارات الطراف المتنفذة في الجبهة .
فما هي أهم مظاهر التناقض بين التوجهين التي قضت على وحدة الممارسة داخل الجبهة الشعبية وجعلت حزب الوطد الثوري يضع حدا لنشاطه في الجبهة الشعبية ويعمق الصراع ضد قيادتها المنقلبة؟
التوجه السياسي الوطني الثوري

  • تمسك بالأرضية السياسية للجبهة ذات التوجه الوطني الديمقراطي والداعية إلى مواصلة المساري الثوري حتى تحقيق أهداف الانتفاضة وإلى التصدي للاستقطاب الثنائي بين “النهضة والنداء”.
  • دعا دائما الى معالجة الموارد المالية للجبهة حتى تقوم بدورها على الوجه الأكمل
  • دفع نحو هيكلة الجبهة في مختلف المستويات والجهات والمناطق تحت إشراف مجلس الأمناء لتصليب عودها التنظيمي وتطوير قاعدتها الجماهيرية وضمان التحامها بالشعب
  • ركز على النضال الميداني الجماهيري الثوري في مواجهة الامبريالية والائتلاف الحاكم العميل بقيادة النهضة ثم النداء استنادا الى التوجه السياسي للجبهة.
  • حافظ على الاستقلالية السياسية والتنظيمية للجبهة عن السلطة والأحزاب الرجعية والعميلة
  • رفض التوافق مع أعداء الشعب المحليين والامبرياليين من خلال رفض التحالف مع السبسي في “جبهة الإنقاذ” ورفض المشاركة في ” الحوار الوطني ” مع النهضة والنداء والجلوس مع فرانسوا هولاند رئيس الدولة الفرنسية الاستعمارية ووزير خارجيتها فابيوس و مع سفراء الدول الاستعمارية الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية داعيا الى القيام بتجمع أمام سفارة فرنسا من أجل طرد فرنسوا هولاند عوضا عن الجلوس والتوافق معه
  • اعتبر أن الجبهة الشعبية جبهة للشعب والأحزاب سواسية داخلها والعلاقات يجب أن تكون رفاقية وتبني على أساس الاحترام المتبادل وتقاسم الأدوار وخدمة مصالح الجماهير الشعبية وأهداف الانتفاضة وبالتالي على الجبهة ( 13 حزب إضافة الى ” المستقلين) أن تعمل لصالح الشعب وأن تقوم بالدعاية السياسية لنفسها من خلال تكتيكاتها ومختلف أوجه نشاطها ونضالها الميداني، ورفض صب الماء في طاحونة أعداء الشعب المحليين والامبرياليين.
  • دعا إلى توظيف التكتيك الانتخابي من أجل تشكيل كتلة برلمانية ثورية داخل البرلمان الرجعي تخدم الشعب والجبهة وتتقدم بالمسار الثوري وتساهم عبر مسار تاريخي في إسقاط النظام العميل الحاكم
    التوجه السياسي الإصلاحي الانتهازي
  • إنقلب على الأرضية السياسية للجبهة بحيث أصبحت قيادتها جزءا من الاستقطاب الثنائي بتحالفها مع حركة “نداء تونس”
  • أهمل المسألة المالية وترك الجبهة بدون موارد للحيلولة دون تطورها وتجذرها
  • إكتفي بالحد الأدنى لهيكلة الجبهة (مجلس أمناء وتنسيقيات جهوية غير مكتملة وبعض محليات) ورفض إتمام بقية الهيكلة وتعميمها فسيطرت العفوية والارتجالية على هذه العملية وقل التدخل لفض المشاكل التي تحدث.
  • عمل من أجل أن تكون الجبهة انتخابية واللهث وراء المواقع في السلطة والعمل على تحسين نتيجة الصفر فاصل الحاصلة في 2011 والتركيز على العمل الصالوني.
  • ضرب في العمق إستقلالية الجبهة بالالتحاق بما يسمى بجبهة الانقاذ الوطني حيث أصبحت ذيلا لحركة نداء تونس.وقد تجسد ذلك في عدة مناسبات كاعتصام “الرحيل” مثلا والتصويت لمحمد الناصر مرشح نداء تونس لرئاسة البرلمان ممثل كبار السماسرة والملاكين العقاريين والقبول بتزكية النهضة والمؤتمر لمرشح الجبهة الشعبية للانتخابات الرئاسية حمه الهمامي، والرهان على الباجي قايد السبسي لكشف قتلة شكري بلعيد…
  • بحث عن هذا التوافق وتكريسه عمليا بدخول جبهة الانقاذ والمشاركة مع النهضة والنداء في ما يسمى بـ ” الحوار الوطني” والهرولة الى هولاند وسفارات مختلف الدول الاستعمارية
  • كرس علاقات هيمنة وسيطرة وولاءات داخل الجبهة
  • قام بأعمال تكتلية وتخريبية وتآمر داخل الجبهة وخارجها (ما حصل في ندوة سوسة خلال شهر جوان 2013 مثلا)
  • وظف إعلام الجبهة حزبيا خاصة من قبل حزب العمال والموحد وللحصول على منافع سياسية( مواقع في البرلمان وفي السلطة عموما) وللدعاية الشخصيةالمكرسةلمرض الزعاماتية وحب البروز
  • قبل بتوظيف الجبهة من قبل حزب “نداء تونس” بالخصوص الذي ابتز الجبهة في صراعه مع “النهضة” وأفلح من خلال ذلك في التربع على سدة الحكم بداية من 2014.
  • لهث وراء تحسين نتيجة الصفر فاصل في “الانتخابات” التشريعية الثانية أي في أكتوبر 2014 من أجل الوصول الى البرلمان هو من العوامل التي دفعت الأطراف المتنفذة في الجبهة الى الاصطفاف وراء التجمعيين والدساترة تحت غطاء مواجهة “النهضة”
  • انخراط في العملية الانتخابية الشكلية في إطار التداول السلمي على السلطة والمحافظة على النظام القائم بحثا عن المواقع في البرلمان الرجعي خادم القوى الاستعمارية ووكلائها في القطر من أجل التمتع بالامتيازات وقضاء المصالح الشخصية والحزبية على حساب الشعب الكادح.
  • ساهم بمشاركته في الحوار الوطني الكارثة في تشكيل جبهة التحالف بين النهضة والنداء اثر”الانتخابات” التشريعية والرئاسية سنة 2014 عوضا عن تأجيج الصراع بينهما.

فماذا كانت نــتائـــــج هذا التمشي الانتهازي؟

  • ساهمت الأطراف المتنفذة في الجبهة في تخريب الانتفاضة و في إجهاض المسألة الوطنية.
  • ساعدت تلك الأطراف القوى الرجعية العميلة والامبريالية على ترميم صفوف النظام الحاكم العميل وعلى إحكام سيطرته من جديد على الجماهير الشعبية ( عودة التجمع الى السلطة وفك عزلة النهضة وتمكينها من مواصلة التواجد في الحكم) وعلى خنقه لهامش الحريات الذي تحقق بالنضال الثوري وقمعه للنضالات الشعبية المتأججة من جديد.
  • أضعفت الجبهة الشعبية التي أصبحت غير قادرة على تحريك العشرات في الشارع
    -وظفت القوى العميلة(“نداء تونس” بالخصوص) الأطراف المكونة للجبهة للوصول إلى السلطة ثم رمت بها على قارعة الطريق بعد تحقيق أهدافها(التصويت على رئاسة المجلس / الصراعات حول لجنة المالية في المجلس / الشجار المكشوف وتبادل العنف بين نواب الجبهة من جهة ونواب ” نداء تونس” من جهة ثانية)
  • همشت ملف اغتيال الاغتيالات السياسية
  • فجرت الصراعات داخل الجبهة وظهرت للعلن ( الصراع على شبكة الموقع الاجتماعي بين الموحد وحزب العمال في الذكرى الثانية لاغتيال شكري بالعيد بالخصوص)
  • تفجر الصراع داخل العديد من الأحزاب المكونة للجبهة بين قواعد تلك الأحزاب وقياداتها مما تسبب في العديد من الانسحابات والانقسامات
  • دقت آخر مسمار في نعش الجبهة الشعبية
    لقد أثبتت التجربة الميدانية صحة موقف حزب الوطد الثوري الماركسي اللينيني في التعامل مع الأحزاب المتنفذة داخل الجبهة الشعبية. لقد ساهم الحزب في مرحلة أولى في تأسيس الجبهة الشعبية لتأطير الانتفاضة وتوسيع قاعدة مواجهة القوى الامبريالية وعملائها في القطر، وصارع داخلها للنهاية من أجل أن تحافظ على خطها الوطني المستقل وعلى انحيازها للجماهير الشعبية ومن أجل أن تواصل المسار الثوري، وتباين معها لما انقلبت الأطراف المتنفذة فيها على أرضية الجبهة و سياساتها ومواقفها المنحازة في البداية للشعب،أي عندما تخلت عن موقعها في صف الشعب بتحالفها مع التجمعيين العملاء وبتوافقها مع “حركة النهضة” في الحوار المزعوم والبرلمان الرجعي وبارتمائها في أحضان سفراء الدول الامبريالية ورؤسائها، ونبه لخطورة نتائج هذا التمشي على الشعب والمسار الثوري، كما رفض الحزب أن توظفه تلك الأحزاب والقوى الرجعية عموما لخدمة أجندتها الخاصة الانتهازية. ولقد شاهد الشعب بأم أعينه المستنقع الذي سقطت فيه الأطراف المتنفذة في الجبهة الشعبية وزعف جراء ذلك أي حديث عن ما يسمى باليسار أو أية دعاية له.
    أفلا يمثل هذا التوجه انخراطا في مسار الالتفاف على انتفاضة 17 ديسمبر 14 جانفي؟ إن الجبهة الشعبية كفت منذ جويلية 2013 عن أن تكون بديلا وطنيا شعبيا، لقد أصبحت جزءا من الديكور السياسي الرجعي المزين لوجه النظام العميل الحاكم في تونس بحكم تكريس الأطراف المتنفذة فيها لسياسة الوفاق مع أعداء الشعب،وكل من واصلالمراهنة عليها إثر انقلابها انخرط حتما بشكل واع أو عفوي في مسار القوى الرجعية الهادف الى القضاء النهائي على المسار الثوري الذي أججته انتفاضة 17 ديسمبر 14 جانفي.
    وردا على هذا الصراع الشرس من قبل حزب الوطد الثوري ضد خط الانتهازية الواعية الذي سقطت فيه القيادة المتنفذة للجبهة أصدرت تلك القيادة القرار المهزلة التالي:
    “من مجلس الأمناء إلى الرفيقين:
    الأمين العام للحزب الوطني الاشتراكي الثوري (المقصود حزب الوطد الثوري. التوضيح لنا)
    والأمين العام للجبهة الوحدوية الشعبية

    تحية نضـالية و بعد،
    فإننا نحيطكم علما بنص القرار الذي اتخذه مجلس أمناء الجبهة الشعبية المنعقد يوم السبت 10 أوت 2013 :
    “قرر مجلس الأمناء المنعقد يوم السبت 10 أوت 2013 بأغلب أعضائه ، التجميد المؤقت لعضوية الحزب الاشتراكي الثوري والجبهة الشعبية الوحدوية وذلك على إثر نشرهما بيانا على صفحتيهما بالشبكة الاجتماعية بعنوان “لا لتدجين الجبهة الشعبية “بتوقيع “الجبهة الشعبية/التيار الوطني” و هو ما يمثل ممارسة انشقاقية واضحة وخرقا للنظام الداخلي و تقاليد العمل الديمقراطي داخل الجبهة الشعبية مع التذكير بأن مجلس الأمناء كان تعرض بالنقد أكثر من مرة الى هذه الممارسات قبل أن تتطور أخيرا الى انشقاق بتوقيع فيه تحريف لاسم الجبهة.
    ويؤكد مجلس الأمناء أنه في صورة عدم تقديم نقد ذاتي وعدم التراجع عن هذه الممارسات رسميا وفي نص يوجه الى العموم على الصفحتين الاجتماعيتين للحزبين المذكورين وذلك في ظرف أسبوع من تسلم هذه الرسالة فإنّ قرار التجميد سيتحوّل إلى قرار رفت نهائي من الجبهة.
    عن مجلس الأمناء
    الناطق الرسمي”
    ( علما وأن حزب الوطد الثوري انسحب مع أطراف أخرى من الجبهة يوم 26 جويلية 2013 أي قبل صدور هذا القرار بمدة، وأصدروا بيانا هاجموا فيه قيادة الجبهة الشعبية ممضى باسم الجبهة الشعبية التيار الوطني)
    هكذا نري كيف أن الانتهازية الواعية للقيادة هي وراء انهيار الجبهة الشعبية التي هوت جراء استسلام تلك القيادة أمام أعداء الشعب المحليين والإمبرياليين. إن هذه النهاية الكارثية للجبهة التي انطلقت منذ الانقلاب المتنفذين فيها على أرضيتها السياسية الوطنية الثورية هي في الواقع نهاية زرع أوهام الاصلاحية في وعي الجماهير الشعبية، نهاية الجري وراء سراب الوفاق الطبقي والسلم الاجتماعية والوفاق المزعوم بين الشعب الكادح وأعدائه.
    هذه الحقائق الموضوعية المتعلقة بكامل مسار الجبهة الشعبية هي التي غيبها عمدا حمه الهمامي في محاولة يائسة لتبرئة نفسه وحزبه والموحد وغيرهم من الأطراف المتنفذة في الجبهة الشعبية من مسؤوليتهم المباشرة وغير المباشرة، الأولى والنهائية في تدمير الجبهة الشعبية، ومن الجرائم التي ارتكبوها في حقها، ومن غدرهم للجماهير الشعبية وللتفصي من مساعتهم الامبريالية والنظام الحاكم العميل على ترميم صفوفهم التي خلخلت أركانها الانتفاضة وبالتالي التمديد في أنفاسهم.
    وفي حديثه عن مستقبل الوضع في تونس يعود بنا حمه الهمامي القهقرى، فهو يطمح للحصول على موقع في حكومة مؤقتة تشكل على أنقاض الشعبويينفي ظل النظام الرجعي العميل القائم، وإرساء مرحلة انتقالية مزعومة على غرار ما وقع بعد 14 جانفي متناسيا أن التاريخ لا يعيد نفسه إلا في شكل مهزلة. وفي هذا الصدد كتب ان ” الطبقات والفئات الشعبيّة المتضرّرة اليوم من نظام قيس سعيّد تريد أن تعرف ومن حقّها أن تعرف بعد أن غُدر بها أكثر من مرّة ما هي الخيارات السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة التي تطرح عليها للخروج من الأزمة الخانقة الحاليّة وما هو الدور الذي سيكون لها في نقاشها وتحديدها؟ لا يمكن حصر “البديل” في الجانب السياسيّ وتحديدا في “المجلس” أو “الهيئة التنفيذية” أي “الحكومة المؤقّتة” التي ستشرف على المرحلة الانتقالية، مع العلم أنّ هذه المسألة ذاتها تستحق النقاش: ما هي طبيعة هذه “الهيئة التنفيذية” وتركيبتها؟ وكيف ستعيّن؟ هل بشكل فوقي، بيروقراطي، معزول عن جمهور الشعب أم أنّ هذا الجمهور سيكون له رأي فيها، مباشرة أو عبر تنظيماته الذاتيّة حتى لا تبقى مجرد تفاهمات فوقيّة بين قوى سياسيّة لا تهمّها سوى مصلحتها؟ “
    إن حركة الصراع الطبقي والنضال الوطني في تونس وعلى رأسها القوى الوطنية الثورية المناضلة ستبني حتما و بالضرورةعلى انقاض الجبهة الشعبية المنهارة والأطراف الإصلاحية والتحريفية والانتهازية عموما قيادة ثورية عمالية ماركسية لينينية لشعبنا تكون قادرة على تحقيق الشعار المركزي للانتفاضة ” الشعب يريد اسقاط النظام” وإرساء سلطة العمال والفلاحين الديمقراطية الثورية ذات الأفق الاشتراكي كحل جذري للعلاقات الطبقية الرجعية السائدة في المجتمع المبنية على استغلال الانسان للإنسان.

حمّة الهمامي ينشر نصا تقييميا لليسار ويطرح البديل السياسي (النص كاملا)

جدل حول الثورة والثورة المضادّة في تونس: من أجل وضع الأمور في نصابها

بقلم: حَمَّة الهَمَّامي
لا أحد يُمكنه أن ينكر حالة التردّي الذهنيّ التي أصبح عليها مجتمعنا. غاب الجدل الفكريّ والسياسيّ والاقتصاديّ والاجتماعيّ والثقافيّ بشكل شبه كلّي وغرق “الناس” في السبّ والشتم والتشهير وهتك الأعراض المتبادل عبر تدوينات أو فيديوهات مقرفة وفي أحسن الحالات ضحلة وتافهة. ولا يمكن إلقاء المسؤولية على منظومة قيس سعيد الشعبوية، الاستبداديّة فقط. فما من شكّ في أنّ هذه المنظومة صحّرت البلاد وعمّمت الرداءة والتفاهة. فرأس السلطة نفسه ظلّ على مدى سنوات يكرّر الجمل والعبارات نفسها المنتقاة من معجم التخوين والتهديد التي مجّها الجميع. أمّا وسائل الإعلام فقد تحوّلت إلى سوق لبيع “الطناجر”، هجرها الصِّحافيّون إمّا إلى السجن أو إلى المنفى أو إلى سوق البطالة ولم يبق فيها إلّا صنف من أردإ ما خلق إعلام الاستبداد عبر التاريخ. وهو يعمل في تناغم مع رهط من “صنّاع المحتوى” في الشبكة الاجتماعية لا يتقنون، نساء ورجالا، إلا الكذب والتلفيق والبذاءة والتملّق إمّا طمعا أو خوفا. وحين يضاف إلى ذلك كلّه المرسوم 54 والفصل 86 من مجلّة الاتصالات وأحكام قانون الإرهاب والتآمر وغيره من السيوف المسلّطة على الرقاب فمن السهل أن نفهم أيّ مناخ عام تعيش بلادنا في مثل هذا الوضع بل من السهل أن نفهم أن الرأي العام الذي ينتجه هذا المناخ لا يمكن إلّا أن يكون غوغائيّا ومتخلّفا.
ولكنّ الرأي العام وإن كان يصنعه ويؤطّره نظام الحكم فذلك لا ينفي بالمرة دور القوى المضادّة لهذا النظام في داخل المجتمع فهي المنوط بعهدتها مقاومة الرداءة والتخلّف والانحطاط ونشر وعي مضادّ في صفوف الشعب متحدّية كل المعوّقات سواء ما تعلّق منها بالقوانين القمعيّة والمحاكمات الجائرة أو ما تعلق منها بالصدّ الذي تجده الأفكار الجادة والجديدة من قبل حتى من هي في صالحهم أي أبناء وبنات الفئات الكادحة والشعبيّة التي أثّرت فيها الأيديولوجيّة الرسميّة إلى جانب السموم التي تنشرها البورجوازيّة العالميّة عبر الشبكة الاجتماعيّة التي أصبحت متاحة للجميع والتي يتحكّم فيها أباطرة المال والأعمال والسلاح. ولكنّ المشكل هو أنّ العدوى وصلت في تونس إلى من يقدّمون أنفسهم معارضة لنظام قيس سعيّد وبديلا له. فالعديد من هؤلاء إمّا أنّهم سقطوا في نفس أساليب “أنصار المسار” في السب والشتم والتشهير أو أنّهم اكتفوا بردّ التهم الموجهة إليهم بحجج غير مقنعة في الغالب أو بالتشهير بجرائم النظام التي صارت معلومة لدى العام والخاص بفضل وسائل التواصل الاجتماعي. ولكن ظلّ الجدل حول فهم واقعنا المتأزّم والأسباب التي أوصلتنا إليه والبدائل المتاحة لتجاوزه ضعيفا للغاية بل مُغيّبا في الكثير من الأحيان بذريعة أنّ “الأولويّة اليوم لمقاومة الاستبداد… ويوم يسقط الاستبداد سنقيّم ونناقش البدائل” وهي فكرة مغلوطة من الأساس كما سنبيّن في الفقرات الموالية.
ـ(2)ـ
إنّ تقييم العشر سنوات التي تلت الثورة ومهّدت لانقلاب قيس سعيّد، مسألة أساسيّة وهو لا يُلهي بالمرّة، كلّ من كانت بوصلته واضحة، عن مواجهة الاستبداد الذي ركّزه هذا الانقلاب بل يعزّزها في حين أنّ رفض التقييم ينتفع منه قيس سعيّد وأنصاره لأنّه يسمح لهم بمواصلة ترويج ما يشتهون من الأكاذيب حول ما يسمّونه “العشريّة السوداء” والتأثير في فئات واسعة من الشعب التونسي التي لا تريد “العودة إلى الوراء”. فهذه الفئات من حقّها أن تعرف كيف أُجهِضت ثورتها وسُرِقت منها أحلامها ووجدت نفسها تعيش في أزمة متفاقمة. وما من شكّ في أنّ كل القوى الفاعلة في تلك العشريّة مطالبة بالتقييم بعيدا عن التعتيم والمغالطة والتهرّب من تحمّل المسؤولية. لقد تشكّلت مباشرة بعد سقوط بن علي “الهيئة الوطنيّة لحماية الثورة” التي كانت تضم كل قوى المعارضة السياسيّة والنقابيّة والحقوقية والنسائيّة والشبابيّة وكان دورها مناقشة سبل تطوير الثورة من أجل اجتثاث الاستبداد والدكتاتورية، ولكن سرعان ما تمّ الالتفاف عليها من قبل ما سمّي وقتها “الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي” التي تشكلت “في الغرف المظلمة” في مارس 2011 والتحقت بها جل الأحزاب والمنظمات عدا حزب العمال وبعض الأطراف القومية واليسارية والمجموعات الشبابية الثورية. وقد قبلت هذه الهيئة بدور استشاري، لا تنفيذيّ ولا رقابيّ، في وجه حكومة الباجي قائد السبسي العائد من بعيد والتي تولّت، بطلب منه، كافة السلطات التنفيذية لمدة أشهر وأعدّت لانتخابات المجلس الوطني التأسيسي في أكتوبر 2011. وكان من بين الخطوات الأولى التي اتخذتها قمع تجمّع “القصبة 3” وتهميش نواتات “لجان حماية الثورة” التي ظهرت في الأحياء والمدن والقرى واستعادة السيطرة على الوضع عن طريق البوليس والجيش وهو ما أدّى تدريجيا إلى احتواء الثورة وحصرها عمليا في تغيير شكل السلطة دون المساس بمحتواها الطبقي. وقد جاءت نتائج المجلس الوطني التأسيسي لتكرّس هذا الاتجاه وتفرّخ بعد صدور الدستور حكومات عدّة لم يكن لها من دور سوى مواصلة الالتفاف على ثورة الشعب.
إنّ الأحزاب التي حكمت بعد انتخاب المجلس الوطني التأسيسي هي التي تتحمّل أوّلا وأساسا مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع من تدهور وتعفّن مهّد لانقلاب 25 جويلية 2021 لأنّ تلك الأحزاب هي التي كانت بيدها كل السلطات وخاصة منها السلطة التنفيذية والتشريعية، هي التي كانت تضع السياسات وهي التي كانت تنفّذها. لقد حكمت “الترويكا” المكوّنة من حركة النهضة وحزب المؤتمر من أجل الجمهوريّة والتكتل الديمقراطي ما بين 2011 و2014 وكانت لها كل السلطات، رئاسة الحكومة ورئاسة الجمهورية ورئاسة البرلمان. ولكنّ اختياراتها كانت فاشلة لأن همّها كان الاستيلاء على السلطة لا تغيير النظام برمته الذي ثار ضدّه الشعب. وفي الفترة الممتدة من 2014 إلى 2019 حكم البلاد تحالف “نداء تونس/حركة النهضة” بمشاركة من الاتحاد الوطني الحر (3 وزراء) وآفاق تونس (3 حقائب وزارية) في مرحلة حكومة الحبيب الصيد. وكان هذا التحالف يتمتّع بـ183 مقعدا في البرلمان من بين 217 مقعدا أي بأغلبية مطلقة تسمح له بتمرير ما يريد من سياسات. أما في المرحلة الثانية وهي مرحلة حكومة الوحدة الوطنية برئاسة يوسف الشاهد فقد تواصل تحالف “نداء تونس/حركة النهضة”، الأول بـ12 حقيبة والثاني بـ8 حقائب، بمشاركة وزراء من أحزاب “آفاق تونس” (4 حقائب) والمسار الديمقراطي الاجتماعي (حقيبة واحدة) والحزب الجمهوري (حقيبة واحدة) وحزب المبادرة الوطنية (حقيبة واحدة) إضافة إلى عدد من المستقلّين. وبعد انتخابات 2019 تشكلت حكومة أولى برئاسة إلياس الفخفاخ حصلت فيها حركة النهضة على 6 حقائب وزارية والتيار الديمقراطي على 3 حقائب وزارية وحركة الشعب وحركة تحيا تونس (حزب يوسف الشاهد المنشقّ عن نداء تونس) وكتلة الإصلاح الوطني، حقيبتان لكل واحدة منها. وبعد استقالة حكومة الفخفاخ خلفتها حكومة هشام المشيشي “المستقلّة” التي دعمتها في البرلمان كتل حركة النهضة وقلب تونس وائتلاف الكرامة وتحيا تونس ونواب آخرون وهو ما جعلها تتمتّع بأغلبية مريحة بـ134 صوتا من بين 217 صوتا وقد جاء انقلاب 25 جويلية 2021 ليحل هذه الحكومة ثمّ البرلمان ويرسي حكم الفرد المطلق.
لقد حرصنا على تقديم هذه التفاصيل حتى نذكّر بمختلف الأحزاب والقوى التي شاركت في مختلف التركيبات الحكومية التي قادت البلاد خلال العشريّة التي عقبت الثورة والتي يتحمّل جميعها، وفي مقدّمتها حركة النهضة التي لم تغب عن أي حكومة سواء بالحضور المباشر أو بالدعم كما هو الحال بالنسبة إلى حكومة هشام المشيشي “المستقلة”، مسؤولية السياسات التي أدت إلى الالتفاف على ثورة الشعب التونسي ومهّدت لانقلاب 25 جويلية 2021. فهذه الأطراف كانت تحكم بأغلبية كبيرة وكانت هي التي ترسم السياسات وتتصرف في البلاد. في ذلك الوقت كان حزبنا، حزب العمال، يعارض سواء بمفرده أو كمكوّن من مكونات الجبهة الشعبية تلك السياسات وينبّه إلى أنّها ستقود البلاد إلى الهاوية وصوّت في البرلمان ضد مختلف الميزانيات والقوانين التي لا تخدم مصلحة الشعب وضد سياسة الاقتراض والتبعية وضد الاتفاقيات الماسة بالسيادة الوطنية وضد الاصطفافات في السياسة الخارجية سواء كان وراء قطر وتركيا أو وراء الإمارات ومصر والسعودية أو الجزائر وضد الهيمنة الاستعمارية الغربية الخ… وكان يؤكّد دائما أن حكومات ما بعد الثورة تواصل خدمة مصالح الأقليات الثرية الريعية نفسها والدول والشركات الاستعمارية والمحاور الرجعية التي تهيمن على تونس فبأيّ حقّ نسمع اليوم البعض مما كانوا يحكمون أو من “المستقلّين” الذين كانوا يسندونها أو من أتباع “المسار الانقلابي” يردّد “كلّنا مسؤولون” فهذه مغالطة لا هدف منها سوى التملّص من المسؤوليّة ومحاولة تحميلها لمن لا يتحمّلها مع علم أنهم كانوا يستهزئون بحزب العمال والجبهة الشعبية ويسمونهما بـ”جماعة صفر فاصل” ولا يعيرون أهمية لمواقفهم ظنّا منهم، وهو ما صرّح به بعضهم في العلن، أنهم سيحكمون البلاد لعشرات السنين (30 سنة على الأقل قال أحدهم). والأدهى والأمرّ أن معظم هؤلاء الذين يرددون اليوم هذا الكلام هم من أوصل قيس سعيّد إلى قصر قرطاج باعترافهم. لم يحصل سعيد في الدورة الأولى إلّا على 620.771 صوتا بنسبة بلغت 18.40 بالمائة. أمّا في الدور الثاني فحصل على 2.777.931 صوتا بنسبة بلغت 72.71 بالمائة في مواجهة رئيس حزب قلب تونس نبيل القروي. وقد أعلنت كل من حركة النهضة والحزب الجمهوري والتيار الديمقراطي وحركة الشعب والاتحاد الشعبي الجمهوري وحزب الحراك (حزب منصف المرزوقي) والمؤتمر من أجل الجمهورية وتيار المحبة (جماعة العريضة الشعبية سابقا بزعامة الهاشمي الحامدي) وائتلاف الكرامة وقائمات “أمل وعمل” (يقودها النائب ياسين العياري) دعمها للمرشّح قيس سعيّد في الدور الثاني. وبرّرت غالبية هذه الأطراف موقفها بكون سعيّد يمثّل “المسار الثوري” في مواجهة ممثّل “منظومة الفساد السابقة للثورة…”.
وفي المقابل فإن موقف حزب العمال كان واضحا إذ دعا في بيانه المؤرخ في 10 أكتوبر 2019 إلى مقاطعة الدور الثاني حتّى لا يقع إضفاء الشرعيّة “على عملية انتخابية مشوبة بالانتهاكات والخروقات والغموض وعلى رئيس مقبل لا يقدّم أيّة ضمانة لمستقبل تونس وشعبها” وأشار في هذا الصدد إلى أنه لا أحد من المرشّحين قدّم “مشروعا يوفّر الحدّ الأدنى من الضمانات لحماية السيادة الوطنية وصيانة مكتسبات الشعب التونسي الديمقراطية وتحقيق ولو جزء من مطالبه وانتظاراته الملحة”. وختم حزب العمال بيانه حول الدور الثاني بهذا الموقف: “إن موقف المقاطعة سيكون رسالة إلى الرئيس الجديد، أيّا كان، حتى لا يدّعي أحقّية أو شرعيّة نابعة من أغلبية التونسيّات والتونسيين استهداف دستورهم وحريتهم ومكاسبهم وحقوقهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وسيادة وطنهم”. وليس من الصعب اليوم إدراك أن ما نبّه إليه حزب العمال هو الذي حصل فقد ادّعى قيس سعيّد أنّه “نال تفويضا شعبيا غير مسبوق” لينقلب على الدستور وعلى شركائه في الحكم ويتصرف في الدولة والمجتمع كما يريد ويشتهي. كما أنّه ليس من الصعب أن يلاحظ كل متتبع للشأن العام أن زعماء الأحزاب والكتل الذين ساندوا بحماس قيس سعيّد في الدور الثاني للانتخابات الرئاسية سنة 2019 يوجدون الآن خلف القضبان ونقصد راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة وغازي الشواشي الأمين العام لحزب التيار الديمقراطي في ذلك الوقت وعصام الشابي الأمين العام للحزب الجمهوري وسيف الدين مخلوف زعيم كتلة ائتلاف الكرامة ولطفي المرايحي زعيم حزب الاتحاد الشعبي الجمهوري. أمّا منصف المرزوقي فهو يعيش اليوم في المنفى محكوما بعشرات السنين سجنا في قضايا باطلة وملفقة مثله مثل العديد من المنفيين قسرا.
ـ(3)ـ
توجد فكرة أخرى كثيرا ما نسمعها تتردّد وهي لا تخرج عن السياق التبريري نفسه الذي تطرقنا إليه في الفقرة السابقة. فالكثير ممّن حكموا في العشرية التي عقبت الثورة سواء كانوا ينتمون إلى حركة النهضة أو نداء تونس أو بعض الأحزاب الأخرى لا يتوقفون عن الادعاء بأنّهم ليسوا مسؤولين عن فشلهم الذي ينسبونه إلى الذين “حطّولهم العصا في العجلة”، وهم يقصدون الأحزاب والقوى التي عارضتهم كما يقصدون الاتحاد العام التونسي للشغل ومنظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام والأغرب من ذلك أنّني سمعت في المدّة الأخيرة أحد أنصار حركة النهضة يصرّح أنّها لو توفّرت لها ظروف الحكم الفردي المطلق نفسها التي توفّرت لقيس سعيّد (يرتع وحدو) لـ”نجحت في تنفيذ برامجها”، دون أن يقول لنا ما هي تلك البرامج وما هي طبيعتها لأنّ الاستبداد ليس إلّا إطارا لتنفيذ سياسات معادية للشعب؟ وفي كل الحالات فإنّ مثل هذا المنطق الذي يبرّر فيه أصحابه فشلهم بالعراقيل التي وضعتها في طريقهم المعارضة لا نسمعه حتى في بلد ديمقراطي، ليبرالي، بورجوازي لأن الحزب أو الائتلاف الحزبي الذي يحكم في بلد ديمقراطي، فيه تعددية حزبية وإعلامية ومنظمات وجمعيات نقابية ومدنية ونخب ثقافية يعرف جيّدا أن المعارضة ستعارضه وأن الصحافة ستنقده بهذه الدرجة أو تلك وأن النقابات ستدافع عن مصالح منظوريها وأن المنظمات الحقوقية والإنسانية سترصد كل انتهاك يُرتكب في الوقت الذي ينفّذ فيه هو برنامجه… أمّا عندنا نحن حيث الديمقراطية لم تتحول بعد إلى جزء من ثقافة مجتمعنا وهويته فإنّنا نجد من الأحزاب من لا يقرأ حسابا في مفاهيمه لوجود معارضة لأنّه في نهاية الأمر حزب لا يؤمن بالديمقراطيّة ويعتبرها مجرّد مطية للوصول إلى الحكم لتنفيذ برنامج أو برامج استبدادية وبالتالي لا يرى فيها وسيلة وإطارا لتحرير الفرد والمجتمع من كافة المعوّقات التي تحول دون تقدمه وازدهاره. وبعبارة أخرى فإذا كانت الأحزاب التي حكمت خلال العشريّة التي تلت الثورة وفي مقدمتها حركة النهضة قد فشلت فشلا ذريعة في إدارة شؤون البلاد والمجتمع فالسبب الرئيسي لا يكمن في وجود معارضة أو نقابات أو وسائل إعلام مناوئة لها بل إنه يعود إلى خيارات تلك الأحزاب التي لا تلبّي مطالب الطبقات والفئات الكادحة والشعبية التي ثارت على الدكتاتورية والتي (وهذا ما تتناساه تلك الأحزاب) منحتها في البداية ثقة كبيرة ورأت في معارضيها “شياطين” و”كفرة وملاحدة” فكانوا عرضة لحملات فايسبوكية من قبل أنصار أحزاب الحكم الرئيسيّة وقتها لا تختلف في شيء عن حملات أنصار “المسار” اليوم بما فيها من تشهير وتشويه وأكاذيب لتضليل الرأي العام. لكن مع الوقت وبالممارسة تبيّن لفئات واسعة من الشعب أنّ من منحتهم ثقتها لا يدافعون عن مصالحها سواء تغلفوا بقشرة أيديولوجية دينية أو ديمقراطية ليبرالية فانتفضت عليهم وصفّقت لانقلاب قيس سعيّد ظنّا منها أنه سيكون “المخلّص” من الاستغلال والفساد المستشري فإذا به لا يختلف عن سابقيه إن لم يكن أسوأ منهم في أكثر من مجال وإذا بها تُغيّر مزاجها تدريجيّا لتنقلب عليه.
وهنا نأتي إلى الجانب الثاني من المسألة لنطرح السؤال التالي: ما هي السياسات والخيارات التي اتبعتها الائتلافات الحزبيّة التي حكمت بلادنا بعد الثورة وفيها مصلحة للطبقات والفئات الكادحة ومنعتها المعارضة السياسية والنقابات ومنظمات المجتمع المدني الأخرى من تنفيذها؟ هل كان على هذه القوى أن تترك حركة النهضة وحلفاءها يحيدون بالثورة عن أهدافها في الحرية والديمقراطية ويؤسسون دولة تيوقراطية استبدادية وفاشية؟ هل كان عليها أن تبقى تتفرّج على مبعوثي الأمريكان وفرنسا وألمانيا وغيرهم من دول الاتحاد الأوروبي وبلدان الخليج وهم يرتعون في بلادنا لإجهاض ثورتها وهندسة نظام لا يقطع مع التبعيّة لهم؟ بل هل كان بمقدور كلّ هذه الدول أن تقوم بدورها التخريبي وتنجح في الانقضاض على مكاسب الثورة وتفسد الحياة السياسية وترسّخ التبعيّة لولا تواطؤ الأطراف الحاكمة وقتها؟ هل كان على قوى المعارضة الديمقراطية التقدمية أن تبقى تتفرّج على جحافل شيوخ التكفير وهم ينزلون في مطارات تونس مكرّمين مبجّلين لزرع الفتنة والكراهية في صفوف الشعب التونسي الذي ناضل من أجل شيء لا علاقة له بتجارة الدين التي برع فيها هؤلاء خدمة لأمريكا والكيان النازي؟ هل كان عليها أن تُصفّق للميليشيات التي بدأت تتكوّن هنا وهناك لمراقبة المواطنين وتكفيرهم ومحاكمتهم وممارسة الحدّ عليهم حتى بالقتل (حادثة ديبوزفيل) والبدء بتقسيم تونس إلى إمارات (كانت إمارة سجنان أولاها)؟ هل كان عليها أن تُهلّل للقمع الذي حصل يوم 9 أفريل 2012 في شارع بورقيبة بمشاركة مباشرة من عناصر مليشياوية إلى جانب البوليس أو لضرب أهالي سليانة بالرشّ الذي ترك إصابات كثيرة بين المواطنين ولم يتورّع وزير الداخلية آنذاك عن التصريح بأن استعمال الرش كان في إطار التجربة؟ هل كان لها أن تبقى تتفرّج على أنصار الشريعة وهم يصولون ويجولون ويشكلون المجموعات الإرهابية في المناطق الجبلية وحين يسأل الوزير عما يحدث يجيب بأن “الجماعة يقومون بتدريب رياضي”؟ هل كان على تلك القوى أن تترك المجتمع يأكله الإرهاب بعد اغتيال الشهيدين شكري بلعيد ومحمّد البراهمي وغيرهما من المناضلين والأمنيين والعسكريين والمواطنين؟ هل كان عليها أن تصفّق لتدمير السلطة القضائية وتوظيفها وإغراقها في الفساد؟ هل كان عليها أن تتخلّى عن مكتسبات المرأة التونسيّة وتعود بها إلى الوراء بعنوان “التكامل” بين الرجل والمرأة؟ هل كان على الاتحاد العام التونسي للشغل أن يستسلم لبعض الميليشيات الفاشية ويتركها تتحكّم في مصيره ذات يوم 4 ديسمبر 2012 عشية الاحتفال باغتيال حشاد؟ ألم تبعث حركة النهضة نقابة عمّالية لمنافسة الاتحاد العام التونسي للشغل وفشلت في ذلك؟ ووسائل الإعلام متى غَيَّبتْ ممثّلي الأحزاب الحاكمة في برامجها السياسية؟ ألم يكن لكل منها “كرونيكور” دائم الحضور “يخيّط ويفصّل” كما يريد؟ هل قدّمت حركة النهضة وحلفاؤها مثلا مشروع قانون لتجريم التطبيع ورفضته المعارضة أم أن العكس هو الذي حصل إذ أن الترويكا رفضت تجريم التطبيع في دستور 2014 كما أنها رفضت هي وحليفها، “نداء تونس”، مناقشة المشروع الذي قدّمته الجبهة الشعبيّة سنة 2015؟ ومن منع حزبي “النداء/النهضة” من تشكيل المحكمة الدستورية المنصوص عليها في دستور 2014 عدا الحسابات الحزبية الضيقة؟ ومن منعهما أيضا من مراجعة قانون المحكمة العسكريّة والقوانين القمعية الموروثة من عهدي بورقيبة وبن علي ومنها قانون حالة الطوارئ؟ وهل كان على المعارضة والقوى التقدميّة أن تبقى تتفرّج على منظومة حكم بعضها يصطفّ وراء قطر وتركيا وبعضها الآخر (الباجي قايد السبسي) وراء السعودية والإمارات؟ وهل تحركت حركة النهضة والأحزاب الأخرى الموجودة في الحكم ضدّ نداء تونس ورئاسة الجمهوريّة حين أمضى الباجي قايد السبسي ومستشاره الخاص محسن مرزوق اتفاقية مع إدارة أوباما تجعل من تونس حليفا أساسيا غير عضو في الناتو إلى جانب الكيان الصهيوني؟ إن الأمثلة كثيرة وكثيرة بما في ذلك في فترة 2019-2021 التي أصبح فيها البرلمان حلبة للصراعات وتصفية الحسابات التي كان الكثير منها يدار من خارج قبّة البرلمان بل حتى من خارج تونس، ولكن المهمّ في كل ذلك أنّ التوجّهات السياسيّة العامة لمنظومات الحكم التي عقبت الثورة كانت توجهات لا علاقة لها في الجوهر بثورة الشعب التونسي وأنّ المعارضة الثورية والتقدمية والشعبية يُحسب لها أنّها في السنوات الأولى خاصة تصدّت لمحاولات الانحراف بالثورة نحو استبداد من نوع جديد، وبالتالي إذا كانت وضعت عصا فليس في عجلة الثورة بل في عجلة الثورة المضادة وهي ليست في حاجة إلى دروس من أيّ كان فالمواقف والوثائق موجودة لتشهد على ذلك. وإذا كان ثمّة من وُظّف في وقت من الأوقات أو سقط عن جهل وغير دراية في “التبلعيط” أو في مواقف لم يكن مقتنعا بها ويرغب اليوم في الاعتذار عنها فذلك شأنه وليس شأننا والمهمّ أن لا يعود في يوم آخر للاعتذار عن الاعتذار.
لنواصل. ما هي البرامج والمشاريع الاقتصادية التي قدمتها الائتلافات الحاكمة خلال العشرية التي عقبت الثورة وفيها مصلحة للعمال والكادحين والفقراء والمعطلين عن العمل وتصدت لها أحزاب المعارضة التقدمية واتحاد الشغل؟ ألم تواصل هذه الائتلافات الخيارات النيوليبرالية المتوحشة نفسها التي سار عليها بن علي وثار ضدها الشعب التونسي؟ هل خفّفت من التبعية للخارج أم فاقمتها: هل خفّضت من المديونية العمومية التي بلغت في نهاية حكم بن علي حوالي 26 (35 على ما أذكر) مليار دينار أي ما يمثل 40 بالمائة من الناتج المحلي الخام أم أنها تضاعفت حوالي أربع مرات في نهاية الثلاثي الثاني من سنة 2021 لتبلغ حوالي 103 مليار دينار و679 مليون دينار أي ما يمثّل 79.2 بالمائة من الناتج المحلي الخام (وقد بلغت اليوم مع قيس سعيّد 141 مليار دينار وهو ما يمثل 82 إلى 82.9 بالمائة من الناتج الداخلي الخام)؟ هل خفضت من عجز الميزان التجاري الذي بلغ 8298 مليون دينار سنة 2010 أم فاقمته ليتضاعف تقريبا (16.215.1 مليون دينار سنة 2021 وقد بلغ 21800.3 سنة 2025)؟ ماذا أمّمت تلك الائتلافات من ثروات وشركات؟ وما هي الاتفاقيات غير المتكافئة التي ألغتها أم أنها حافظت على القديم وزادت أخرى جديدة مع تركيا وغيرها؟ ماذا قدّمت من مشاريع لإصلاح الفلاحة في تونس والرفع من مستوى عيش الفلاحين الفقراء والصغار وتحقيق الأمن الغذائي؟ ألم تَقْضِ معظم الحكومات وقتها في البحث عن مستثمرين خليجيّين وغيرهم لاستغلال الأراضي الدوليّة ورفضت توزيع مقاسم منها على الشباب التونسي؟ وماذا أنجزت للصناعة التونسية وخاصة للمؤسّسات الصغرى والمتوسطة التي ظلّت تنهار تباعا بأعداد كبيرة؟ هل تحسّنت الخدمات العامة من تعليم وصحّة ونقل وثقافة فضلا عن البيئة أم واصلت الانحدار الذي بدأ مع بن علي؟ هل حسّنت أجور العمّال والأجراء على الأقل بالقدر الذي يسمح بتغطية التدهور الحاصل في مقدرتهم الشرائية؟ هل حدّت من البطالة التي كانت في مستوى 13 بالمائة سنة 2010 فإذا بها تقفز إلى 18.4 سنة 2021 والتي كان الشباب، وفي مقدمته أصحاب الشهائد العليا، وما زال ضحيتها الأساسيّة؟ وهل حدّت من نسبة الفقر والبؤس والجريمة والهجرة غير النظامية (الحرقة) وهجرة الكفاءات؟ ألم تتعمّق كل هذا المظاهر التي كانت سببا من أسباب الثورة على بن علي؟ وهل تراجع الفساد عما كان عليه في عهد هذا الأخير؟ ألم تكن تونس تحتل سنة 2010 المرتبة 59 عالميا من بين 178 دولة فأصبحت سنة 2021 في المرتبة 70 عالميا من بين 180 دولة حسب منظمة الشفافية العالميّة (مع العلم أن الفساد تفاقم مع قيس سعيد بوصول تونس إلى المرتبة 91/92 عالميا من بين 182 دولة؟ أليس السبب في كل هذا يعود كما قلنا في البداية إلى كون الحكومات المتعاقبة بعد الثورة أدارت ظهرها لمطالب الشعب وحافظت على نفس نمط الإنتاج النيوكولونيالي المتأزم أصلا واستمرت في خدمة الأقليات الثرية نفسها التي خدمها نظام بن علي وهو ما أدى إلى تفاقم الأوضاع مع أزمة كوفيد 19 الأمر الذي استغلّه قيس سعيد بدعم من الأجهزة الصلبة والمحور الإقليمي المصري السعودي الإماراتي وبعض العواصم الغربية (باريس، روما…) للقيام بانقلاب 25 جويلية 2021 بعنوان “تصحيح المسار الثوري” وهو في الواقع للالتفاف على ما تبقى من ذلك المسار وتصفية المكاسب الديمقراطية للثورة على محدوديتها.
كل هذا ينبغي أن يخضع للنقاش والجدل العلني وليس بين أربعة جدران لأنه يهمّ شعبا بأكمله لا بعض الأحزاب والجمعيات والشخصيات فحسب. وحين نتحدّث عن هذا الجدل والنقاش فهو بعيد كل البعد عمّا يأتيه أزلام “المسار” من كلام عمّا يسمّونه “العشرية السوداء” لتبرير انتهازيتهم المقرفة والحال أنّ معظمهم كان من بين المنتفعين الأوائل من “مغانم” هذه العشرية فتمتّعوا بما توفّر فيها من حريات افتكها الشعب بدمه بينما كانوا يعيشون كالأرانب في عهد بن علي ولم يتجرّأوا على رفع أصواتهم ضدّه ولم يسهموا في إسقاطه، كما أنّ فيهم من حضر في كافة البرلمانات بما وفّرته له من منح ومنافع والأهم من ذلك أن فيهم من شارك في هذه الحكومة أو تلك من حكومات “العشرية السوداء” إلى جانب حركة النهضة التي لم تعترض على وجوده فصحّ عليه المثل الشعبي “ياكل في الغلّة ويسبّ في الملّة”. لكنّ مأساة هؤلاء أنّ “العشرية” التي يصفونها اليوم بأبشع النعوت جادت عليهم على الأقل ببعض الفتات أمّا قيس سعيّد الذي يؤلّهونه فإنّه لم يلتفت إليهم ولم يُجازهم بشيء على ولائهم بل إن بعضهم وجد نفسه في سجن المرناقية إلى جانب من كان يصفهم بالخونة والمتآمرين والعملاء. إنّ حزب العمال، لمن لم يطّلع على وثائقه، لم يكتف بنقد الآخرين فحسب بل قيّم تجربته وتجربة الجبهة الشعبيّة في أكثر من مناسبة ووقف عند نقاط ضعفه وضعف الأحزاب اليساريّة الثوريّة والتقدميّة. إنّ “خطيئة” الجبهة الشعبية بمن فيها حزب العمال هو أنّها تحوّلت في وقت من الأوقات إلى كتلة برلمانية وأهملت العمل في صفوف الشعب ولم تَسْعَ إلى تنظيم صفوفها في كافة المستويات لتفرض نفسها بديل حكم وخضعت لابتزاز بعض الأطراف الانتهازية داخلها التي كانت تدافع عن “الدخوليّة” وتنسّق مع القصبة أو قرطاج لضرب وحدة الجبهة وخطها النضالي طمعا في منصب. وبعبارة أخرى فإذا كان لحزب العمال والقوى الثورية من مسؤولية في ما جرى فهي تتمثل، حسب رأينا، في كونهما فشلا في التصدي لقوى الثورة المضادة بجناحيها الديني والليبرالي التي تمكّنت من إعادة إنتاج النظام الطبقي السابق نفسه بخياراته اللاوطنيّة واللاشعبيّة.
فليتناقش الناس وليتجادلوا وهو أمر لن يوقف التصدي، لمن يروم ذلك، لسلطة الانقلاب. إن حزب العمّال يناهض الظلم بشكل مبدئيّ وصارم، مهما كان المصدر ومهما كان الضحيّة. ذلك شيء. أمّا تقييم الخيارات والتجارب وتحميل المسؤوليات فهو شيء آخر. لا مجاملة في السياسة حين تكون مصالح وطن وشعب في الميزان فالنزاهة الفكريّة تقتضي قول الأشياء بأسمائها وهو في نظرنا عامل قوّة وليس عامل ضعف وهو يعيد إلى السياسة معناها وجديتها بعد أن أصبحت لسنوات طوال ولا تزال، في ظل موجة شعبويّة عالميّة، جارفة، مجرّد “تبلعيط” وانتهازيّة وكذب وتدجيل على الناس لمغالطتهم والتحكّم في رقابهم.
لنواصل.
ـ(4)ـ
المسألة الأخيرة التي نريد إثارتها تتعلّق بالبديل لمنظومة قيس سعيّد وما نلاحظه في هذا الصدد هو الهروب من مناقشة هذه المسألة بحجّة أنّها ستُفاقم الخلافات وتحول دون “تجميع الصفوف ضدّ الانقلاب” وهو كلام فارغ لأنّ الطبقات والفئات الشعبيّة المتضرّرة اليوم من نظام قيس سعيّد تريد أن تعرف ومن حقّها أن تعرف بعد أن غُدر بها أكثر من مرّة ما هي الخيارات السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة التي تطرح عليها للخروج من الأزمة الخانقة الحاليّة وما هو الدور الذي سيكون لها في نقاشها وتحديدها؟ لا يمكن حصر “البديل” في الجانب السياسيّ وتحديدا في “المجلس” أو “الهيئة التنفيذية” أي “الحكومة المؤقّتة” التي ستشرف على المرحلة الانتقالية، مع العلم أنّ هذه المسألة ذاتها تستحق النقاش: ما هي طبيعة هذه “الهيئة التنفيذية” وتركيبتها؟ وكيف ستعيّن؟ هل بشكل فوقي، بيروقراطي، معزول عن جمهور الشعب أم أنّ هذا الجمهور سيكون له رأي فيها، مباشرة أو عبر تنظيماته الذاتيّة حتى لا تبقى مجرد تفاهمات فوقيّة بين قوى سياسيّة لا تهمّها سوى مصلحتها؟ ثمّ ما هي المهمّات التي ستناط بعهدتها؟ وإلى ذلك ما هي الإجراءات الاقتصاديّة والماليّة والاجتماعية التي ينبغي أن تُتّخذ لإنقاذ البلاد وتجنيبها الكارثة وتعبيد الطريق نحو خيارات جديدة تقطع مع الخيارات القديمة التي ظلّت تعاني منها البلاد على مدى عقود؟ لماذا يُراد اجتناب الخوض في هذه القضايا؟ أم المطلوب “يطيح قيس سعيّد وبعد كلّ واحد يضرب على صلّاح بلادو”؟ هذا المنطق لا يناسب إلّا القوى التي لا يهمّها سوى الاستيلاء على السلطة وتعويض منظومة بمنظومة قد تختلف عنها في الشكل (الانتقال من الدكتاتوريّة إلى منظومة ليبراليّة مغشوشة) ولكن بالخيارات النيوليبراليّة المتوحّشة نفسها مع بعض “الرتوش” في أقصى الحالات.
إن الشعب التونسيّ لا مصلحة له بأيّ شكل من الأشكال أن يجد نفسه ضحيّة نفس نمط الإنتاج النيوكولونياليّ الذي استنفد طاقته ولم يعدْ له ما يقدّم سوى إعادة إنتاج التبعيّة والبطالة والفقر والبؤس والمرض والجهل في سياق أزمة عالمية تعصف بالنظام الرأسمالي في مراكزه الأساسية وتقوّي نزوعه إلى مزيد من الغطرسة والعدوان والحرب. وهو ما عشناه خلال السنوات العشر التي عقبت الثورة كما أشرنا إلى ذلك أعلاه إذ تدهورت كل المؤشرات عما كانت عليه في آخر أيام بن علي الذي ثار عليه الشعب. وهو ما نعيشه اليوم مع قيس سيعيّد وإن كان بأشكال أفظع إذ تؤكّد الأرقام اتجاه الأمور إلى مزيد التدهور وهو ما لا يمكن تفسيره فقط بالفوضى المتبعة في إدارة الشأن العام وبعدم الكفاءة التي تميّز المنظومة وإنما أيضا بالاستمرار في الخيارات نفسها. وهو ما يعني أنّ إسقاط منظومة الاستبداد لا تقف عند حدّ الجانب السياسي الذي يهم الحريات وإنما يتعدّاه إلى الجانب الاقتصادي والاجتماعي. إن تونس في حاجة إلى نمط إنتاج جديد يطوّر القوى المنتجة في المدينة والريف ويؤدّي إلى وفرة في الثروة بما يسمح بتمويل مشاريع التنمية الصناعية والفلاحية والخدماتية وبتوفير الشغل للمعطّلين عن العمل والقضاء على الفقر والبؤس وتطوير الخدمات العامة من صحة وتعليم ونقل وسكن وتوفير بيئة سليمة لكافة المواطنين والمواطنات. وفي هذا السياق قدّم حزب العمال في العديدين الأخيرين من صحيفته المركزية (صوت الشعب، العددان 139 و140) نظرة متكاملة لتصوّره للفترة الانتقاليّة ما بعد سقوط سلطة الانقلاب وهو يطرحها للجدل والنقاش العام.
إنّ نقاش القضايا الأساسيّة الفكريّة والسياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة والبيئيّة التي تهمّ شعبنا وبلادنا، سواء ما تعلّق منها بتقييم العشر سنوات التي عقبت الثورة أو السنوات الخمس الأخيرة التي عقبت الانقلاب أو ما تعلق منها بالتصورات التي تهم إخراج بلادنا من الأزمة وتجنيبها الكارثة المحدقة، أهمّ ألف مرّة من إضاعة الوقت في السبّ والشتم والتدوينات والفيديوهات الفارغة التي لا تسمن ولا تغني من جوع ولكنها تحمل رسالة سلبية للمواطنين والمواطنات مفادها أنّ هذه الأطراف لا علاقة لخصوماتها بمصالحها الرئيسيّة إذا استثنينا قضيّة إطلاق سراح معتقلي الرأي التي أصبحت تحظى باهتمام كبير في بلادنا.
فإلى العمل الجادّ ربحا للوقت لصالح شعبنا ووطننا.
تونس في 11 أوت 2026

الذكاء الاصطناعي في الصحافة… من سرعة الانتاج إلي اختبار المسؤولية الأخلاقية

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية مستقبلية، بل أصبح حاضرًا في غرف الأخبار وفي مختلف مراحل صناعة المحتوى الصحفي، من البحث وكتابة النصوص إلى إنتاج الصور والخرائط وتحليل البيانات. ومع هذا التحول، تبرز أسئلة أساسية حول حدود استخدام هذه الأدوات، ومسؤولية الصحفي، ومستقبل القيم المهنية في عصر تستطيع فيه الخوارزميات إنتاج محتوى كامل خلال ثوانٍ.

في تونس، كشفت واقعة بث خريطة تسببت في جدل سياسي بين تونس و الجزائر عن أحد أخطر جوانب هذه التكنولوجيا: إمكانية أن يتحول المحتوى الذي تنتجه الأدوات الرقمية إلى مادة إعلامية منشورة قبل إخضاعها للتحقق البشري الكافي.

هذه الواقعة تطرح سؤالًا يتجاوز الخطأ التقني: من يتحمل المسؤولية عندما تخطئ الآلة؟

الصحفي أمام مسؤولية جديدة

في نقاش حول علاقة الذكاء الاصطناعي بأخلاقيات العمل الصحفي، يرى الدكتور المنجي الخضراوي، الخبير الدولي في الإعلام، أن استخدام الصحفيين لأدوات الذكاء الاصطناعي يجب ألا يؤدي إلى إلغاء الدور البشري في العملية الصحفية.

فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يختصر الوقت، ويعالج كميات ضخمة من المعلومات، ويساعد في إنتاج النصوص والصور، لكنه لا يستطيع أن يحل محل الصحفي في ممارسة الحكم المهني والأخلاقي.

وتتعلق المسألة، وفق هذا الطرح، بإيجاد توازن بين الاستفادة من الإمكانات التقنية الجديدة والحفاظ على جوهر المهنة: التحقق، والدقة، والاستقلالية، والموضوعية، والمسؤولية تجاه الجمهور.

فالصحفي لا يمكن أن يتعامل مع مخرجات الذكاء الاصطناعي باعتبارها حقائق جاهزة للنشر، وإنما عليه أن يتعامل معها كمادة تحتاج إلى فحص ومراجعة وتدقيق.

حين تفقد الصحافة بعدها الإنساني

لا تقتصر المخاوف المرتبطة بالذكاء الاصطناعي على احتمال وقوع الأخطاء، وإنما تمتد إلى طبيعة المحتوى الصحفي نفسه.

فالاعتماد المفرط على البرمجيات والخوارزميات في إنتاج النصوص والصور قد يؤدي، بحسب ما يطرحه الدكتور، إلى إضعاف البعد الإنساني في الصحافة.

والصحافة ليست مجرد عملية تقنية لإنتاج المعلومات. إنها أيضًا قدرة على فهم الإنسان والسياق والمشاعر، وعلى طرح الأسئلة التي قد لا تكون الخوارزمية قادرة على طرحها بالطريقة نفسها.

قد تنتج الآلة نصًا سليمًا من الناحية اللغوية، لكنها لا تتحمل المسؤولية الأخلاقية عنه، ولا تملك بالضرورة الحس المهني الذي يسمح للصحفي بتقدير أثر نشر معلومة معينة على فرد أو مجتمع.

ومن هنا تصبح الإضافة البشرية شرطًا أساسيًا في الاستخدام المهني للذكاء الاصطناعي.

الحقيقة والموضوعية أمام الخوارزميات

يضع الذكاء الاصطناعي عددًا من القيم الأساسية للعمل الصحفي أمام اختبار جديد، في مقدمتها الحقيقة والآنية والاستقلالية والموضوعية.

فالخوارزمية تعتمد على البيانات التي تغذت بها، وقد تنتج معلومات غير دقيقة أو ناقصة أو منحازة. كما أن قدرتها على إنتاج المحتوى بسرعة قد تغري بعض المؤسسات بتقديم السرعة على حساب التثبت.

وهنا تظهر المفارقة: التكنولوجيا التي يمكن أن تساعد الصحفي على العمل بسرعة أكبر قد تتحول، إذا استُخدمت دون رقابة بشرية، إلى مصدر للأخطاء وانتشار المعلومات المضللة.

لذلك، فإن السؤال لم يعد: هل نستخدم الذكاء الاصطناعي أم لا؟ وإنما: كيف نستخدمه دون أن نتخلى عن أخلاقيات الصحافة؟

من الاستخدام إلى فهم كيفية عمل الخوارزميات

ويرى الدكتور المنجي الخضراوي أن العمل الصحفي يتطلب التعامل المسؤول مع الذكاء الاصطناعي .

فالمطلوب حسب رأيه ليس فقط تعليم الصحفي كيفية استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، وإنما تمكينه من فهم طريقة عملها وحدودها وكيفية توجيهها للحصول على نتائج أكثر دقة.

ويضيف الدكتور أن المهارة التقنية لا تكفي. فالصحفي يحتاج أيضًا إلى معرفة كيفية التثبت من النتائج التي تقدمها الأداة، ومقارنتها بالمصادر الأصلية، والتمييز بين المعلومة المؤكدة والمعلومة التي قد تكون مجرد استنتاج أو توليد آلي.

أخلاقيات الذكاء الاصطناعي تحتاج إلى قواعد جديدة

من جانبه يقول رئيس النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين زياد دبار أنه منذ دخول الذكاء الاصطناعي إلى صميم العمل الإعلامي، لم تعد المدونات الأخلاقية التقليدية كافية وحدها لمواجهة جميع التحديات الجديدة.

وتبرز الحاجة إلى تطوير قواعد مهنية تضع ضوابط واضحة لاستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، وتحدد مسؤولية الصحفي والمؤسسة الإعلامية، وتكرس مبدأ الشفافية.

ومن بين القضايا التي تفرض نفسها: متى يجب الإفصاح عن استخدام الذكاء الاصطناعي؟ ومن يتحمل مسؤولية الخطأ الذي تنتجه أداة آلية؟ وكيف يمكن حماية حقوق الأشخاص والصور والبيانات من الاستخدام غير المشروع؟

هذه الأسئلة تجعل من التعديل والتعديل الذاتي للمهنة جزءًا أساسيًا من النقاش حول مستقبل الصحافة.

النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين أمام تحدي تنظيم المهنة

ولا يقتصر النقاش على الخبراء والباحثين، بل يمتد إلى الهياكل المهنية التي تمثل الصحفيين.

ومن هذا المنطلق، يطرح دور النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين أهمية خاصة في تأطير علاقة الصحفيين بالتكنولوجيا الجديدة، سواء من خلال التوعية والتدريب أو عبر المساهمة في وضع قواعد مهنية وأخلاقية لاستخدام الذكاء الاصطناعي.

كما يبرز دور آليات الرصد والتعديل الذاتي في متابعة الممارسات الجديدة داخل المؤسسات الإعلامية، ورصد الحالات التي يمكن أن تؤثر في مصداقية المحتوى الصحفي.

وتكتسب هذه الآليات أهمية أكبر مع تطور أدوات التوليد الآلي، لأن التحدي لم يعد فقط في اكتشاف الخطأ، وإنما في تحديد المسؤولية عنه وكيفية تصحيحه وإبلاغ الجمهور به.

نحو تعاون عربي ودولي

من جانبه يقول رئيس النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين أن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الصحافة ليست قضية تونسية فقط. فهي مطروحة على المؤسسات الإعلامية والنقابات والمنظمات المهنية في مختلف أنحاء العالم.

ويتابع أن عضوية النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين في هياكل مهنية دولية وعربية، من بينها الاتحاد الدولي للصحفيين واتحاد الصحفيين العرب، وتنظيفها مع نقابات أخرى على اسرار نقابة الصحفيين الاردنيين ونقابة الصحفيين الفلسطينيين فتحت المجال أمام تطوير النقاش حول معايير مشتركة لتنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي في العمل الصحفي.

فالتحديات التي تفرضها الخوارزميات تتجاوز الحدود الجغرافية، بينما تحتاج الصحافة إلى قواعد واضحة تحمي المهنة وتضمن حقوق الصحفي والجمهور في الوقت نفسه.

التكنولوجيا أداة.. والمسؤولية تبقى بشرية

لا تبدو المعركة الحقيقية بين الصحفي والذكاء الاصطناعي، وإنما بين الاستخدام الواعي للتكنولوجيا والاستخدام غير المسؤول لها.

فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون أداة مهمة لتطوير الصحافة، وتحسين الإنتاجية، وتسهيل الوصول إلى المعلومات وتحليلها. لكنه يصبح خطرًا عندما يتحول من أداة مساعدة إلى بديل عن الصحفي وعن عملية التحقق والحكم المهني.

وفي نهاية المطاف، لا تستطيع الخوارزمية أن تتحمل المسؤولية الأخلاقية عن المحتوى الذي تنتجه. المسؤولية تبقى لدى الصحفي والمؤسسة الإعلامية التي تنشره.

ومن هنا، فإن مستقبل الصحافة لن يتحدد بمدى قدرة المؤسسات على استخدام الذكاء الاصطناعي فحسب، وإنما بقدرتها على إخضاع هذه التكنولوجيا لقواعد المهنة وقيمها.

فالسرعة يمكن أن يوفرها الذكاء الاصطناعي، لكن المصداقية لا تزال مسؤولية الصحفي

مواقيت الصلاة والآذان

مواقيت الصلاة والآذان في تونس :

https://timesprayer.com/prayer-times-cities-tunisia.html

مواقيت الصلاة والآذان في الجزائر:

https://timesprayer.com/prayer-times-cities-algeria.html

مواقيت الصلاة والآذان في ليبيا:

https://timesprayer.com/prayer-times-cities-libya.html

مواقيت الصلاة والآذان في جينيف سويسرا:

https://timesprayer.com/prayer-times-in-%D8%AC%D9%86%D9%8A%D9%81.html

مواقيت الصلاة والآذان في فرنسا:

https://timesprayer.com/prayer-times-cities-france.html

مواقيت الصلاة والآذان في إيطاليا:

https://timesprayer.com/prayer-times-cities-italy.html

: مواقيت الصلاة في العالم

https://timesprayer.com

تهديدات بالقتل تطال حمّة الهمّامي… فيديو يدعو لإعدامه يثير موجة استنكار

رجل ظهر بوجه مكشوف في فيديو نشر على مواقع التواصل الاجتماعي، طالب فيه بإعدام المعارض التونسي حمّة الهمّامي، الأمين العام لحزب العمال، إلى جانب عدد من الشخصيات السياسية والقانونية الأخرى. الفيديو، الذي انتشر في تونس منذ أيام قليلة خلال شهر جويلية، دفع حمّة الهمّامي إلى رفع قضية لدى الجهات القضائية المختصة، في حين خرج السياسي الفرنسي جان لوك ميلونشون بتصريح علني طالب فيه بضمان حماية الهمّامي ومحاسبة من يقف وراء هذه التهديدات. القضية أعادت فتح نقاش قديم متجدد حول أمن الأصوات المعارضة للسلطة في تونس.

ما جاء في الفيديو

يظهر في الفيديو، الذي تتجاوز مدته ثلاث دقائق، رجل غير معروف الهوية يوجه كلامه بالاسم إلى حمّة الهمّامي، وإلى المحامين سمير ديلو ومحمد عبو وعز الدين الحزقي، وكذلك إلى راشد الغنوشي، رئيس حركة النهضة. صاحب الفيديو طالب بشكل صريح ومتكرر بإعدام حمّة الهمّامي، وأعلن استعداده الشخصي للقيام بذلك، كما تحدث عن تصور يجمع الأشخاص الذين ذكرهم ويكبّلهم معا. طالب أيضا السلطات بمنع بعضهم من مغادرة البلاد.

ولتبرير كلامه، نسب الرجل إلى حمّة الهمّامي تصريحات حول تحرك مرتقب انطلاقا من 25 جويلية، وهو تاريخ مرتبط بالمسار السياسي الذي أطلقه الرئيس قيس سعيد منذ سنة 2021. لم تتأكد صحة هذه التصريحات المنسوبة إليه من مصدر مستقل. عدد من وسائل الإعلام التونسية، ومنها موقع “بزنس نيوز”، اختارت عدم نشر الفيديو كاملا، واكتفت بنقل مضمونه لأغراض إخبارية فقط.

شكوى قضائية ونداء من باريس

بعد هذه التهديدات، أعلن حمّة الهمّامي أنه تقدم بشكوى لدى القضاء التونسي. الخطوة لقيت صدى خارج الحدود التونسية، إذ عبّر جان لوك ميلونشون، مؤسس حزب “فرنسا الأبية”، عن قلقه من الوضع، ووصف حمّة الهمّامي بـ”الرفيق” و”المناضل من أجل الحريات الديمقراطية”. طالب ميلونشون بضمان حماية الهمّامي ومعاقبة المتورطين في تهديده، واعتبر أن هذا النوع من العنف غريب عما وصفه بهوية تونس التي قال إنها بلد صديق.

هذا النداء لقي تفاعلا من عدد من مناصري حزب العمال، الذين طالبوا النيابة العمومية بالتحرك دون تأخير في هذا الملف، من أجل ضمان حماية فعلية لحمّة الهمّامي من جهة، والتعرف على هوية صاحب الفيديو من جهة أخرى. وإلى حد الآن، لم تصدر النيابة العمومية ولا وزارة الداخلية أي بيان رسمي بخصوص مآل التحقيق أو الإجراءات الأمنية المتخذة لحماية الهمّامي.

مناخ تهديدات لا يقتصر على شخص واحد

ما تكشفه هذه القضية يتجاوز حالة حمّة الهمّامي، ليطرح من جديد مسألة أمن المعارضين والمحامين والناشطين في مجال حقوق الإنسان والصحفيين في تونس. منذ سنوات، تتحدث أصوات معارضة للسلطة عن حملات تحرش ومضايقة إلكترونية، دون أن يتم دائما التعرف على أصحابها أو ملاحقتهم بنفس الصرامة التي تطبق أحيانا على أشكال أخرى من التعبير. فمنشورات ذات طابع رأيي، خالية من أي دعوة للعنف، أدت في حالات سابقة إلى متابعات قضائية، وهو ما يغذي لدى بعض منظمات حقوق الإنسان شعورا بوجود تفاوت في التعامل مع المحتوى المنشور على الإنترنت، بحسب ما إذا كان مؤيدا أو منتقدا للسلطة القائمة.

مسيرة طبعتها سنوات من الملاحقة

هذه ليست المرة الأولى التي يجد فيها حمّة الهمّامي نفسه في مواجهة مع السلطة. فقد شغل سابقا موقع الناطق الرسمي غير المعلن لحزب العمال الشيوعي التونسي إبان حكم زين العابدين بن علي، وتعرض للاعتقال والسجن أكثر من مرة، كما تحدثت شهادات موثقة في تلك الفترة عن تعرضه لسوء معاملة أثناء الاحتجاز. بعد ثورة 2011 أصبح أمينا عاما لحزب العمال، وترسخ كأحد أبرز الأصوات الثابتة في اليسار التونسي، بما في ذلك في موقفه الناقد للإطار المؤسساتي الجديد الذي أرساه الرئيس قيس سعيد منذ سنة 2021.

كما ليست هذه المرة الأولى التي يتعرض فيها حمّة الهمّامي لتهديدات مماثلة، إذ سبق أن استفاد في فترات سابقة من إجراءات حماية أمنية خُففت لاحقا. هذا التطور الجديد يأتي في سياق سياسي تونسي لا يزال يتسم بتوتر واضح بين مؤيدي المسار الذي انطلق منذ 2021 والمعارضين له، حيث لا تزال مسألة حرية التعبير محل جدل واسع.

من المنتظر أن يحدد التحقيق المفتوح إثر شكوى حمّة الهمّامي هوية صاحب الفيديو. ويبقى السؤال مطروحا حول ما إذا كانت هذه القضية، بما رافقها من تحرك داخل تونس وخارجها، ستساهم في تغيير طريقة تعامل الجهات القضائية والمنصات الرقمية مع التهديدات الموجهة للأصوات المعارضة في البلاد.

محكمة الاستئناف تؤيّد الحكم بسجن أنس الحمادي لمدة عام مع النفاذ العاجل

أصدرت الدائرة الجناحية بمحكمة الاستئناف بتونس قرارها في قضيته رئيس جمعية القضاة أنس الحمايدي وذلك بتأييد سجنه لمدّة عام مع النفاذ العاجل. الدائرة أكدت الحكم الابتدائي القاضي بسجن رئيس جمعية القضاة التونسيين أنس الحمادي مدة سنة من أجل “عرقلة حرية الشغل”، مع تعديل جوهري في منطوق الحكم يقضي بالتنفيذ العاجل للعقوبة. الحكم صدر غيابيا، بعد أن تخلف الحمايدي عن حضور جلسات الاستئناف رغم تأجيلين منحتهما المحكمة بطلب من محاميه، إذ تبين، حسب مصدر قضائي نقلته وكالة تونس إفريقيا للأنباء، أنه غادر التراب التونسي. وتعود وقائع الملف إلى نشاطه النقابي خلال جلسة استعجالية بمحكمة المنستير الابتدائية في جوان 2022، في خضم حركة احتجاجية خاضها القضاة التونسيون.

مسار قضائي امتد على أربع سنوات

تعود بداية القضية إلى 13 جوان 2022، حين نُسب إلى أنس الحمادي عرقلته عمدا لسير جلسة استعجالية بمحكمة المنستير الابتدائية، في سياق تعبئة نقابية واسعة خاضتها هيئة القضاء التونسي. ولم يكن هذا السياق عاديا، إذ سبقته بأسابيع قليلة إحدى أبرز الأزمات بين السلطة التنفيذية والقضاء، وهي إعفاء 57 قاضيا بأمر رئاسي.

ولإمكانية متابعة الحمادي قضائيا، تعيّن أولا رفع الحصانة عنه، وهو ما قرره المجلس الأعلى المؤقت للقضاء العدلي بتاريخ 20 سبتمبر 2022. وبعد استكمال التحقيق، أحيل الملف على دائرة الحكم بموجب الفصل 136 من المجلة الجزائية المتعلق بعرقلة حرية الشغل.

وفي 6 أفريل 2026، أصدرت الدائرة الجناحية السادسة بالمحكمة الابتدائية بتونس حكمها الابتدائي، قاضيا بسجن أنس الحمادي سنة. وقد استأنف هذا الحكم، غير أنه لم يمثل أمام محكمة الاستئناف في أي من الجلسات، رغم تأجيلين متتاليين طلبهما فريق دفاعه. وأفاد المصدر القضائي أنه تبين، خلال هذه الفترة، أن المعني بالأمر قد غادر البلاد.

دفاع خاض معركة إجرائية إلى النهاية

لم يوفر فريق دفاع أنس الحمادي أي وسيلة قانونية. فقد طالب، أمام المحكمة الابتدائية، بتأجيل المحاكمة إلى حين البت في الطعن المتعلق برفع الحصانة عن موكله، وكذلك إلى حين إدراج قرار صادر عن محكمة التعقيب بخصوص مطلب نقل القضية إلى دائرة أخرى. غير أن هذه المطالب قوبلت بالرفض.

كما أثار المحامون جملة من الخروقات الإجرائية التي اعتبروا أنها تمس من ضمانات المحاكمة العادلة، ومن الحرية النقابية التي يُفترض أن تحمي نشاط القضاة المنتظمين في تنظيم مهني.

من جهتها، لم تتوقف جمعية القضاة التونسيين عن التنديد بما تعتبره مسارا مشوبا بعدة اختلالات، من بينها تنقل الملف بين عدة محاكم، والسرعة التي طبعت التحقيق، وعدم الاستماع إلى رئيسها قبل إحالته على دائرة الحكم. وذهبت الجمعية أبعد من ذلك، معتبرة أن هذه المتابعة تندرج ضمن ضغوط تستهدف نشاطه النقابي ودفاعه عن استقلال القضاء، مطالبة منذ البداية بسحب التتبعات ضده.

قضية تتقاطع مع أزمة أعمق بين القضاء والسلطة

لفهم خلفيات هذا الملف، لا بد من العودة إلى منعرج سنة 2022. فإعفاء 57 قاضيا في تلك السنة، الذي بُرر رسميا بمكافحة الفساد، اعتُبر داخل صفوف القضاء قرارا فوقيا افتقد، حسب منتقديه، إلى الضمانات الكافية. وقد جاء الرد سريعا، عبر إضرابات واعتصامات وتعبئة متواصلة قادتها بالأساس جمعية القضاة التونسيين، المنظمة التي تأسست سنة 2016 للدفاع عن استقلالية القضاء إزاء السلطة السياسية.

وتندرج هذه المحطة ضمن مسار أوسع من إعادة تشكيل المشهد المؤسساتي في تونس منذ سنة 2021، وهو ما وصفته عدة منظمات حقوقية بتراجع تدريجي في توازن السلط. وفي ظل هذا المناخ، تعددت التتبعات القضائية التي طالت أصواتا نقابية وسياسية وإعلامية معارضة، وهو ما غذى مخاوف بشأن وضعية التعددية واستقلالية القضاء في البلاد.

ولا يزال قرار محكمة الاستئناف قابلا لطرق الطعن التي يخولها القانون. ويبقى السؤال مطروحا حول ما إذا كان أنس الحمادي، الموجود حاليا خارج تونس، سيلجأ إلى هذه الطرق، وحول تأثير هذا الحكم على أزمة ممتدة منذ أربع سنوات بين جزء من الجسم القضائي والسلطة التنفيذية.

25 سنة سجنا ضدّ سهام بن سدرين في قضية البنك التونسي الفرنسي

أصدرت الدائرة الجنائية المتخصصة في قضايا الفساد المالي بالمحكمة الابتدائية بتونس خلال الليلة الفاصلة بين الخميس 25 والجمعة 26 جوان 2026 حكماً بحق ناشطة حقوق الإنسان سهام بن سدرين (75 عاماً)، الرئيسة السابقة لهيئة الحقيقة والكرامة. وقد أُدينت في ملفَّين مستقلَّين يتعلقان بفترة رئاستها للهيئة: الأول يخص اتفاقية التحكيم مع رجل الأعمال سليم شيبوب، والثاني يتعلق بقضية البنك الفرنسي التونسي. وبجمع العقوبتين، بلغت مدة السجن خمساً وعشرين سنة نافذة، فضلاً عن أحكام مدنية بالتضامن تُقدَّر بمليارات الدنانير. ولم يكن ردّها الذي نشرته بُعيد صدور الحكم سوى جملة واحدة: «كل ما هو مفرط لا قيمة له». مقولة للتعليق على فداحة الحكم .

ملفّان، وإدانتان متراكمتان

نظر القضاء في ملفَّين منفصلَين خلال الجلسة ذاتها، وأصدر في كلٍّ منهما حكماً بالإدانة، لتبلغ العقوبتان مجتمعتَين خمساً وعشرين سنة سجناً نافذاً.

في الملف الأول، المتعلق بمخالفات مزعومة إبّان إبرام اتفاقية تسوية تحكيمية مع سليم شيبوب، قضت الدائرة بإدانة سيهام بن سدرين وخالد كريشي — العضو السابق في هيئة الحقيقة والكرامة — ووزير أملاك الدولة الأسبق مبروك كرشيد، بتهمة مخالفة التراتيب والاجراءات القانونية على حساب الإدارة. وصدر بحق بن سدرين والكريشي حكم بخمس سنوات سجناً لكل منهما، فيما نالَ كرشيد ست سنوات. أما شيبوب، المتهم بالاشتراك في الجريمة، فقد صدر بحقه أيضاً حكم بخمس سنوات. كما قضت المحكمة بإلزام المتهمين بالتضامن بردّ ما يناهز 1.776 مليار دينار.

وفي الملف الثاني المتعلق بقضية البنك الفرنسي التونسي، وُجِّهت إلى بن سدرين تهم إضافية بالتزوير واستعمال وثائق مزوَّرة، اضافة إلى التهم المشتركة مع سائر المتهمين. فصدر بحقها حكم بخمس سنوات إضافية بشأن الجرائم المشتركة مع كريشي وكرشيد، ثم خمس عشرة سنة أخرى بسبب جرائم التزوير، باعتبارها أشد الجرائم وطأةً وفق مبدأ العقوبة الأشدّ. كما صدر حكم بغرامة مدنية بالتضامن تبلغ نحو 16.9 مليون دينار. وهكذا يكون مجموع العقوبات الصادرة بحق بن سدرين — خمس سنوات في الملف الأول، وخمس سنوات زائد خمس عشرة سنة في الملف الثاني — قد بلغ خمساً وعشرين سنة.

مسار قضائي طويل ومضنٍ

جاء هذا الحكم تتويجاً لمسار قضائي امتدّ على مدى سنوات. ففي أوت 2024، أُودعت سيهام بن سدرين رهن الاحتجاز المؤقت بسجن منوبة، إثر مذكرة إيداع أصدرها قاضي التحقيق بالقطب القضائي الاقتصادي والمالي. وفي 14 جانفي 2025، أضربت عن الطعام، قبل أن تُفرج عنها محكمة الاستئناف في 19 فيفري من العام نفسه، مع الإبقاء على حظر السفر المفروض عليها.

وقد انطلقت جلسات المحاكمة في ظروف مثيرة للجدل؛ إذ خلال جلسة 18 جوان 2026، جرى إقصاء ذوي المتهمة والصحفيين وممثلي المجتمع المدني من قاعة الجلسة دون أي مبرر تقدّم به القضاء، في تناقض صريح مع معايير القانون الدولي. فأُجّلت الجلسة إلى 25 جوان، ليصدر الحكم في ليلة ما بعدها. وكانت اللجنة الدولية للحقوقيين قد طالبت، قُبيل إصدار الحكم، السلطاتِ التونسيةَ بإسقاط جميع التهم الموجهة لبن سدرين، مندِّدةً بما وصفته باتهامات ملفقة مرتبطة بعملها المشروع على رأس هيئة الحقيقة والكرامة.

العدالة الانتقالية: مكسب الثورة في مهبّ الريح

لاستيعاب الثقل الرمزي لهذا الحكم، لا بدّ من استحضار ما مثّلته هيئة الحقيقة والكرامة في التاريخ السياسي التونسي. فقد أُسِّست في ديسمبر 2013 في أعقاب الثورة، وأُنيط بها كشف الحقيقة في انتهاكات حقوق الإنسان المرتكبة منذ سنة 1955. وقد تلقّت أكثر من 62,000 شكوى، وأحالت 205 قضايا على الدوائر المتخصصة، مما أفضى إلى ملاحقات قضائية طالت وزراء سابقين ومسؤولين أمنيين ورجال أعمال.

وتؤكد منظمات المجتمع المدني أن الملاحقات القضائية الموجهة لبن سدرين تنتهك القانون الأساسي للعدالة الانتقالية الصادر سنة 2013، ولا سيما الفصل 96 منه الذي يحظر الملاحقة القضائية لأعضاء الهيئة استناداً إلى مضمون التقرير الختامي.

ويأتي هذا الحكم في سياق تصاعد وتيرة قمع الأصوات المعارضة. ففي أفريل 2025، أصدرت المحكمة الابتدائية بتونس أحكاماً بحق 37 شخصية معارضة ومدافعة عن حقوق الإنسان، تراوحت بين أربع سنوات وستة وستين سنة سجناً بتهم تمسّ أمن الدولة. ومنذ الانقلاب المؤسسي في 25 جويلية 2021، الذي استأثر بموجبه الرئيس قيس سعيد بالسلطة الكاملة، تُقدِّر منظمة هيومن رايتس ووتش عدد الموقوفين من سياسيين وناشطين ومحامين وصحفيين بأكثر من ثمانين شخصاً.

إن الحكم الصادر بحق امرأة اكتوت بنيران سجون بورقيبة وبن علي، ثم وجدت نفسها اليوم مدانة في عهد سعيد، يطرح سؤالاً لن تستطيع تونس تأجيله طويلاً: ماذا تبقّى من مشروع العدالة الانتقالية الذي أنجبته ثورة 2011، حين يجد حامِلوه أنفسهم خلف القضبان؟

كايسيد يدعو الإعلام إلى قيادة مسار السلام: ورقة سياسات جديدة تعيد تعريف دور الصحافة في الحوار بين أتباع الأديان

لشبونة – 17 يونيو

2026في وقت تتزايد فيه التحديات المرتبطة بخطابات الكراهية والاستقطاب المجتمعي، أطلق مركز الملك عبدالله بن عبدالعزيز العالمي للحوار (كايسيد) ورقة سياسات جديدة بعنوان “الإعلام من أجل السلام: بناء جسور السلام عبر الحوار بين أتباع الأديان”، واضعًا الإعلام في قلب الجهود الرامية إلى تعزيز التفاهم والتعايش وبناء مجتمعات أكثر تماسكًا.الورقة، التي أعدها برنامج “زمالة الصحافة للحوار” في المنطقة العربية، تقدم رؤية متقدمة لدور المؤسسات الإعلامية، مؤكدة أن الصحافة لم تعد مطالبة فقط بتغطية النزاعات ورصدها، بل بالمساهمة الفاعلة في صناعة بيئات داعمة للسلام وترسيخ ثقافة الحوار.وكشفت نتائج الدراسة أن العديد من التغطيات الإعلامية ما زالت تختزل النزاعات السياسية والاجتماعية في أطر دينية ضيقة، أو تمنح الأولوية للقصص المثيرة على حساب قصص التعايش والنجاحات المشتركة بين المجتمعات. وترى الورقة أن هذا النمط من السرديات يضعف الجهود التي بذلتها القيادات الدينية ومنظمات المجتمع المدني خلال العقود الماضية لتعزيز التفاهم المتبادل.كما حذرت الورقة من تنامي خطاب الكراهية والنبرة التصعيدية في الفضاء الرقمي، مشيرة إلى أن منصات التواصل الاجتماعي أسهمت في تسريع انتشار المحتوى المثير للانقسام، ما يجعل الحاجة إلى صحافة مسؤولة وأخلاقية أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.وفي هذا السياق، أكد وسيم حداد، مدير برامج كايسيد في المنطقة العربية، أن بناء السلام لا يمكن أن يبقى حبيس المؤتمرات والوثائق الرسمية، بل يحتاج إلى الوصول إلى الجمهور من خلال قصص إنسانية دقيقة وموثوقة تعكس الواقع وتدعم قيم التفاهم. وأضاف أن الصحفيين يمثلون شركاء أساسيين في هذه المهمة من خلال قدرتهم على مواجهة السرديات الضارة وتعزيز مساحات الحوار والتعايش.

واستنادًا إلى مراجعات علمية ومقابلات مع قادة إعلام وخبراء في بناء السلام، حددت الورقة ثلاثة أدوار رئيسية للإعلام تتمثل في تبسيط المفاهيم الدينية واللاهوتية للجمهور، وبناء الجسور بين المجتمعات الدينية المختلفة، وتسليط الضوء على المبادرات المحلية وصناع السلام الذين يعملون بعيدًا عن الأضواء.ولتحويل هذه الرؤية إلى خطوات عملية، أوصت الورقة بتوسيع برامج تدريب الصحفيين على أدوات الحوار بين أتباع الأديان والثقافات، واعتماد مبادئ الصحافة المراعية للنزاعات، وتعزيز الثقافة الدينية داخل غرف الأخبار، إلى جانب تطوير تشريعات وسياسات إعلامية تدعم المواطنة والتعددية والتعايش السلمي.من جانبها، أكدت مايا سكر، مسؤولة برامج كايسيد في المنطقة العربية، أن الإعلام يمتلك قدرة استثنائية على تشكيل وعي المجتمعات تجاه التنوع الديني والثقافي، إلا أن هذه القوة ما زالت بحاجة إلى استثمار أكثر تنظيماً وفاعلية. واعتبرت أن الورقة تمثل دعوة مفتوحة أمام الصحفيين والمؤسسات الإعلامية والدينية وصناع القرار لبناء شراكات جديدة تجعل من السلام قيمة مركزية في العمل الإعلامي.

وتأتي هذه المبادرة في إطار جهود كايسيد الرامية إلى تعزيز الحوار كوسيلة فعالة لمنع النزاعات وتسويتها، وترسيخ قيم الاحترام المتبادل والتعاون بين أتباع الأديان والثقافات، بما يسهم في بناء سلام مستدام داخل المجتمعات وحول العالم.