الرئيسية بلوق

مواقيت الصلاة والآذان

مواقيت الصلاة والآذان في تونس :

https://timesprayer.com/prayer-times-cities-tunisia.html

مواقيت الصلاة والآذان في الجزائر:

https://timesprayer.com/prayer-times-cities-algeria.html

مواقيت الصلاة والآذان في ليبيا:

https://timesprayer.com/prayer-times-cities-libya.html

مواقيت الصلاة والآذان في جينيف سويسرا:

https://timesprayer.com/prayer-times-in-%D8%AC%D9%86%D9%8A%D9%81.html

مواقيت الصلاة والآذان في فرنسا:

https://timesprayer.com/prayer-times-cities-france.html

مواقيت الصلاة والآذان في إيطاليا:

https://timesprayer.com/prayer-times-cities-italy.html

: مواقيت الصلاة في العالم

https://timesprayer.com

تهديدات بالقتل تطال حمّة الهمّامي… فيديو يدعو لإعدامه يثير موجة استنكار

رجل ظهر بوجه مكشوف في فيديو نشر على مواقع التواصل الاجتماعي، طالب فيه بإعدام المعارض التونسي حمّة الهمّامي، الأمين العام لحزب العمال، إلى جانب عدد من الشخصيات السياسية والقانونية الأخرى. الفيديو، الذي انتشر في تونس منذ أيام قليلة خلال شهر جويلية، دفع حمّة الهمّامي إلى رفع قضية لدى الجهات القضائية المختصة، في حين خرج السياسي الفرنسي جان لوك ميلونشون بتصريح علني طالب فيه بضمان حماية الهمّامي ومحاسبة من يقف وراء هذه التهديدات. القضية أعادت فتح نقاش قديم متجدد حول أمن الأصوات المعارضة للسلطة في تونس.

ما جاء في الفيديو

يظهر في الفيديو، الذي تتجاوز مدته ثلاث دقائق، رجل غير معروف الهوية يوجه كلامه بالاسم إلى حمّة الهمّامي، وإلى المحامين سمير ديلو ومحمد عبو وعز الدين الحزقي، وكذلك إلى راشد الغنوشي، رئيس حركة النهضة. صاحب الفيديو طالب بشكل صريح ومتكرر بإعدام حمّة الهمّامي، وأعلن استعداده الشخصي للقيام بذلك، كما تحدث عن تصور يجمع الأشخاص الذين ذكرهم ويكبّلهم معا. طالب أيضا السلطات بمنع بعضهم من مغادرة البلاد.

ولتبرير كلامه، نسب الرجل إلى حمّة الهمّامي تصريحات حول تحرك مرتقب انطلاقا من 25 جويلية، وهو تاريخ مرتبط بالمسار السياسي الذي أطلقه الرئيس قيس سعيد منذ سنة 2021. لم تتأكد صحة هذه التصريحات المنسوبة إليه من مصدر مستقل. عدد من وسائل الإعلام التونسية، ومنها موقع “بزنس نيوز”، اختارت عدم نشر الفيديو كاملا، واكتفت بنقل مضمونه لأغراض إخبارية فقط.

شكوى قضائية ونداء من باريس

بعد هذه التهديدات، أعلن حمّة الهمّامي أنه تقدم بشكوى لدى القضاء التونسي. الخطوة لقيت صدى خارج الحدود التونسية، إذ عبّر جان لوك ميلونشون، مؤسس حزب “فرنسا الأبية”، عن قلقه من الوضع، ووصف حمّة الهمّامي بـ”الرفيق” و”المناضل من أجل الحريات الديمقراطية”. طالب ميلونشون بضمان حماية الهمّامي ومعاقبة المتورطين في تهديده، واعتبر أن هذا النوع من العنف غريب عما وصفه بهوية تونس التي قال إنها بلد صديق.

هذا النداء لقي تفاعلا من عدد من مناصري حزب العمال، الذين طالبوا النيابة العمومية بالتحرك دون تأخير في هذا الملف، من أجل ضمان حماية فعلية لحمّة الهمّامي من جهة، والتعرف على هوية صاحب الفيديو من جهة أخرى. وإلى حد الآن، لم تصدر النيابة العمومية ولا وزارة الداخلية أي بيان رسمي بخصوص مآل التحقيق أو الإجراءات الأمنية المتخذة لحماية الهمّامي.

مناخ تهديدات لا يقتصر على شخص واحد

ما تكشفه هذه القضية يتجاوز حالة حمّة الهمّامي، ليطرح من جديد مسألة أمن المعارضين والمحامين والناشطين في مجال حقوق الإنسان والصحفيين في تونس. منذ سنوات، تتحدث أصوات معارضة للسلطة عن حملات تحرش ومضايقة إلكترونية، دون أن يتم دائما التعرف على أصحابها أو ملاحقتهم بنفس الصرامة التي تطبق أحيانا على أشكال أخرى من التعبير. فمنشورات ذات طابع رأيي، خالية من أي دعوة للعنف، أدت في حالات سابقة إلى متابعات قضائية، وهو ما يغذي لدى بعض منظمات حقوق الإنسان شعورا بوجود تفاوت في التعامل مع المحتوى المنشور على الإنترنت، بحسب ما إذا كان مؤيدا أو منتقدا للسلطة القائمة.

مسيرة طبعتها سنوات من الملاحقة

هذه ليست المرة الأولى التي يجد فيها حمّة الهمّامي نفسه في مواجهة مع السلطة. فقد شغل سابقا موقع الناطق الرسمي غير المعلن لحزب العمال الشيوعي التونسي إبان حكم زين العابدين بن علي، وتعرض للاعتقال والسجن أكثر من مرة، كما تحدثت شهادات موثقة في تلك الفترة عن تعرضه لسوء معاملة أثناء الاحتجاز. بعد ثورة 2011 أصبح أمينا عاما لحزب العمال، وترسخ كأحد أبرز الأصوات الثابتة في اليسار التونسي، بما في ذلك في موقفه الناقد للإطار المؤسساتي الجديد الذي أرساه الرئيس قيس سعيد منذ سنة 2021.

كما ليست هذه المرة الأولى التي يتعرض فيها حمّة الهمّامي لتهديدات مماثلة، إذ سبق أن استفاد في فترات سابقة من إجراءات حماية أمنية خُففت لاحقا. هذا التطور الجديد يأتي في سياق سياسي تونسي لا يزال يتسم بتوتر واضح بين مؤيدي المسار الذي انطلق منذ 2021 والمعارضين له، حيث لا تزال مسألة حرية التعبير محل جدل واسع.

من المنتظر أن يحدد التحقيق المفتوح إثر شكوى حمّة الهمّامي هوية صاحب الفيديو. ويبقى السؤال مطروحا حول ما إذا كانت هذه القضية، بما رافقها من تحرك داخل تونس وخارجها، ستساهم في تغيير طريقة تعامل الجهات القضائية والمنصات الرقمية مع التهديدات الموجهة للأصوات المعارضة في البلاد.

محكمة الاستئناف تؤيّد الحكم بسجن أنس الحمادي لمدة عام مع النفاذ العاجل

أصدرت الدائرة الجناحية بمحكمة الاستئناف بتونس قرارها في قضيته رئيس جمعية القضاة أنس الحمايدي وذلك بتأييد سجنه لمدّة عام مع النفاذ العاجل. الدائرة أكدت الحكم الابتدائي القاضي بسجن رئيس جمعية القضاة التونسيين أنس الحمادي مدة سنة من أجل “عرقلة حرية الشغل”، مع تعديل جوهري في منطوق الحكم يقضي بالتنفيذ العاجل للعقوبة. الحكم صدر غيابيا، بعد أن تخلف الحمايدي عن حضور جلسات الاستئناف رغم تأجيلين منحتهما المحكمة بطلب من محاميه، إذ تبين، حسب مصدر قضائي نقلته وكالة تونس إفريقيا للأنباء، أنه غادر التراب التونسي. وتعود وقائع الملف إلى نشاطه النقابي خلال جلسة استعجالية بمحكمة المنستير الابتدائية في جوان 2022، في خضم حركة احتجاجية خاضها القضاة التونسيون.

مسار قضائي امتد على أربع سنوات

تعود بداية القضية إلى 13 جوان 2022، حين نُسب إلى أنس الحمادي عرقلته عمدا لسير جلسة استعجالية بمحكمة المنستير الابتدائية، في سياق تعبئة نقابية واسعة خاضتها هيئة القضاء التونسي. ولم يكن هذا السياق عاديا، إذ سبقته بأسابيع قليلة إحدى أبرز الأزمات بين السلطة التنفيذية والقضاء، وهي إعفاء 57 قاضيا بأمر رئاسي.

ولإمكانية متابعة الحمادي قضائيا، تعيّن أولا رفع الحصانة عنه، وهو ما قرره المجلس الأعلى المؤقت للقضاء العدلي بتاريخ 20 سبتمبر 2022. وبعد استكمال التحقيق، أحيل الملف على دائرة الحكم بموجب الفصل 136 من المجلة الجزائية المتعلق بعرقلة حرية الشغل.

وفي 6 أفريل 2026، أصدرت الدائرة الجناحية السادسة بالمحكمة الابتدائية بتونس حكمها الابتدائي، قاضيا بسجن أنس الحمادي سنة. وقد استأنف هذا الحكم، غير أنه لم يمثل أمام محكمة الاستئناف في أي من الجلسات، رغم تأجيلين متتاليين طلبهما فريق دفاعه. وأفاد المصدر القضائي أنه تبين، خلال هذه الفترة، أن المعني بالأمر قد غادر البلاد.

دفاع خاض معركة إجرائية إلى النهاية

لم يوفر فريق دفاع أنس الحمادي أي وسيلة قانونية. فقد طالب، أمام المحكمة الابتدائية، بتأجيل المحاكمة إلى حين البت في الطعن المتعلق برفع الحصانة عن موكله، وكذلك إلى حين إدراج قرار صادر عن محكمة التعقيب بخصوص مطلب نقل القضية إلى دائرة أخرى. غير أن هذه المطالب قوبلت بالرفض.

كما أثار المحامون جملة من الخروقات الإجرائية التي اعتبروا أنها تمس من ضمانات المحاكمة العادلة، ومن الحرية النقابية التي يُفترض أن تحمي نشاط القضاة المنتظمين في تنظيم مهني.

من جهتها، لم تتوقف جمعية القضاة التونسيين عن التنديد بما تعتبره مسارا مشوبا بعدة اختلالات، من بينها تنقل الملف بين عدة محاكم، والسرعة التي طبعت التحقيق، وعدم الاستماع إلى رئيسها قبل إحالته على دائرة الحكم. وذهبت الجمعية أبعد من ذلك، معتبرة أن هذه المتابعة تندرج ضمن ضغوط تستهدف نشاطه النقابي ودفاعه عن استقلال القضاء، مطالبة منذ البداية بسحب التتبعات ضده.

قضية تتقاطع مع أزمة أعمق بين القضاء والسلطة

لفهم خلفيات هذا الملف، لا بد من العودة إلى منعرج سنة 2022. فإعفاء 57 قاضيا في تلك السنة، الذي بُرر رسميا بمكافحة الفساد، اعتُبر داخل صفوف القضاء قرارا فوقيا افتقد، حسب منتقديه، إلى الضمانات الكافية. وقد جاء الرد سريعا، عبر إضرابات واعتصامات وتعبئة متواصلة قادتها بالأساس جمعية القضاة التونسيين، المنظمة التي تأسست سنة 2016 للدفاع عن استقلالية القضاء إزاء السلطة السياسية.

وتندرج هذه المحطة ضمن مسار أوسع من إعادة تشكيل المشهد المؤسساتي في تونس منذ سنة 2021، وهو ما وصفته عدة منظمات حقوقية بتراجع تدريجي في توازن السلط. وفي ظل هذا المناخ، تعددت التتبعات القضائية التي طالت أصواتا نقابية وسياسية وإعلامية معارضة، وهو ما غذى مخاوف بشأن وضعية التعددية واستقلالية القضاء في البلاد.

ولا يزال قرار محكمة الاستئناف قابلا لطرق الطعن التي يخولها القانون. ويبقى السؤال مطروحا حول ما إذا كان أنس الحمادي، الموجود حاليا خارج تونس، سيلجأ إلى هذه الطرق، وحول تأثير هذا الحكم على أزمة ممتدة منذ أربع سنوات بين جزء من الجسم القضائي والسلطة التنفيذية.

25 سنة سجنا ضدّ سهام بن سدرين في قضية البنك التونسي الفرنسي

أصدرت الدائرة الجنائية المتخصصة في قضايا الفساد المالي بالمحكمة الابتدائية بتونس خلال الليلة الفاصلة بين الخميس 25 والجمعة 26 جوان 2026 حكماً بحق ناشطة حقوق الإنسان سهام بن سدرين (75 عاماً)، الرئيسة السابقة لهيئة الحقيقة والكرامة. وقد أُدينت في ملفَّين مستقلَّين يتعلقان بفترة رئاستها للهيئة: الأول يخص اتفاقية التحكيم مع رجل الأعمال سليم شيبوب، والثاني يتعلق بقضية البنك الفرنسي التونسي. وبجمع العقوبتين، بلغت مدة السجن خمساً وعشرين سنة نافذة، فضلاً عن أحكام مدنية بالتضامن تُقدَّر بمليارات الدنانير. ولم يكن ردّها الذي نشرته بُعيد صدور الحكم سوى جملة واحدة: «كل ما هو مفرط لا قيمة له». مقولة للتعليق على فداحة الحكم .

ملفّان، وإدانتان متراكمتان

نظر القضاء في ملفَّين منفصلَين خلال الجلسة ذاتها، وأصدر في كلٍّ منهما حكماً بالإدانة، لتبلغ العقوبتان مجتمعتَين خمساً وعشرين سنة سجناً نافذاً.

في الملف الأول، المتعلق بمخالفات مزعومة إبّان إبرام اتفاقية تسوية تحكيمية مع سليم شيبوب، قضت الدائرة بإدانة سيهام بن سدرين وخالد كريشي — العضو السابق في هيئة الحقيقة والكرامة — ووزير أملاك الدولة الأسبق مبروك كرشيد، بتهمة مخالفة التراتيب والاجراءات القانونية على حساب الإدارة. وصدر بحق بن سدرين والكريشي حكم بخمس سنوات سجناً لكل منهما، فيما نالَ كرشيد ست سنوات. أما شيبوب، المتهم بالاشتراك في الجريمة، فقد صدر بحقه أيضاً حكم بخمس سنوات. كما قضت المحكمة بإلزام المتهمين بالتضامن بردّ ما يناهز 1.776 مليار دينار.

وفي الملف الثاني المتعلق بقضية البنك الفرنسي التونسي، وُجِّهت إلى بن سدرين تهم إضافية بالتزوير واستعمال وثائق مزوَّرة، اضافة إلى التهم المشتركة مع سائر المتهمين. فصدر بحقها حكم بخمس سنوات إضافية بشأن الجرائم المشتركة مع كريشي وكرشيد، ثم خمس عشرة سنة أخرى بسبب جرائم التزوير، باعتبارها أشد الجرائم وطأةً وفق مبدأ العقوبة الأشدّ. كما صدر حكم بغرامة مدنية بالتضامن تبلغ نحو 16.9 مليون دينار. وهكذا يكون مجموع العقوبات الصادرة بحق بن سدرين — خمس سنوات في الملف الأول، وخمس سنوات زائد خمس عشرة سنة في الملف الثاني — قد بلغ خمساً وعشرين سنة.

مسار قضائي طويل ومضنٍ

جاء هذا الحكم تتويجاً لمسار قضائي امتدّ على مدى سنوات. ففي أوت 2024، أُودعت سيهام بن سدرين رهن الاحتجاز المؤقت بسجن منوبة، إثر مذكرة إيداع أصدرها قاضي التحقيق بالقطب القضائي الاقتصادي والمالي. وفي 14 جانفي 2025، أضربت عن الطعام، قبل أن تُفرج عنها محكمة الاستئناف في 19 فيفري من العام نفسه، مع الإبقاء على حظر السفر المفروض عليها.

وقد انطلقت جلسات المحاكمة في ظروف مثيرة للجدل؛ إذ خلال جلسة 18 جوان 2026، جرى إقصاء ذوي المتهمة والصحفيين وممثلي المجتمع المدني من قاعة الجلسة دون أي مبرر تقدّم به القضاء، في تناقض صريح مع معايير القانون الدولي. فأُجّلت الجلسة إلى 25 جوان، ليصدر الحكم في ليلة ما بعدها. وكانت اللجنة الدولية للحقوقيين قد طالبت، قُبيل إصدار الحكم، السلطاتِ التونسيةَ بإسقاط جميع التهم الموجهة لبن سدرين، مندِّدةً بما وصفته باتهامات ملفقة مرتبطة بعملها المشروع على رأس هيئة الحقيقة والكرامة.

العدالة الانتقالية: مكسب الثورة في مهبّ الريح

لاستيعاب الثقل الرمزي لهذا الحكم، لا بدّ من استحضار ما مثّلته هيئة الحقيقة والكرامة في التاريخ السياسي التونسي. فقد أُسِّست في ديسمبر 2013 في أعقاب الثورة، وأُنيط بها كشف الحقيقة في انتهاكات حقوق الإنسان المرتكبة منذ سنة 1955. وقد تلقّت أكثر من 62,000 شكوى، وأحالت 205 قضايا على الدوائر المتخصصة، مما أفضى إلى ملاحقات قضائية طالت وزراء سابقين ومسؤولين أمنيين ورجال أعمال.

وتؤكد منظمات المجتمع المدني أن الملاحقات القضائية الموجهة لبن سدرين تنتهك القانون الأساسي للعدالة الانتقالية الصادر سنة 2013، ولا سيما الفصل 96 منه الذي يحظر الملاحقة القضائية لأعضاء الهيئة استناداً إلى مضمون التقرير الختامي.

ويأتي هذا الحكم في سياق تصاعد وتيرة قمع الأصوات المعارضة. ففي أفريل 2025، أصدرت المحكمة الابتدائية بتونس أحكاماً بحق 37 شخصية معارضة ومدافعة عن حقوق الإنسان، تراوحت بين أربع سنوات وستة وستين سنة سجناً بتهم تمسّ أمن الدولة. ومنذ الانقلاب المؤسسي في 25 جويلية 2021، الذي استأثر بموجبه الرئيس قيس سعيد بالسلطة الكاملة، تُقدِّر منظمة هيومن رايتس ووتش عدد الموقوفين من سياسيين وناشطين ومحامين وصحفيين بأكثر من ثمانين شخصاً.

إن الحكم الصادر بحق امرأة اكتوت بنيران سجون بورقيبة وبن علي، ثم وجدت نفسها اليوم مدانة في عهد سعيد، يطرح سؤالاً لن تستطيع تونس تأجيله طويلاً: ماذا تبقّى من مشروع العدالة الانتقالية الذي أنجبته ثورة 2011، حين يجد حامِلوه أنفسهم خلف القضبان؟

كايسيد يدعو الإعلام إلى قيادة مسار السلام: ورقة سياسات جديدة تعيد تعريف دور الصحافة في الحوار بين أتباع الأديان

لشبونة – 17 يونيو

2026في وقت تتزايد فيه التحديات المرتبطة بخطابات الكراهية والاستقطاب المجتمعي، أطلق مركز الملك عبدالله بن عبدالعزيز العالمي للحوار (كايسيد) ورقة سياسات جديدة بعنوان “الإعلام من أجل السلام: بناء جسور السلام عبر الحوار بين أتباع الأديان”، واضعًا الإعلام في قلب الجهود الرامية إلى تعزيز التفاهم والتعايش وبناء مجتمعات أكثر تماسكًا.الورقة، التي أعدها برنامج “زمالة الصحافة للحوار” في المنطقة العربية، تقدم رؤية متقدمة لدور المؤسسات الإعلامية، مؤكدة أن الصحافة لم تعد مطالبة فقط بتغطية النزاعات ورصدها، بل بالمساهمة الفاعلة في صناعة بيئات داعمة للسلام وترسيخ ثقافة الحوار.وكشفت نتائج الدراسة أن العديد من التغطيات الإعلامية ما زالت تختزل النزاعات السياسية والاجتماعية في أطر دينية ضيقة، أو تمنح الأولوية للقصص المثيرة على حساب قصص التعايش والنجاحات المشتركة بين المجتمعات. وترى الورقة أن هذا النمط من السرديات يضعف الجهود التي بذلتها القيادات الدينية ومنظمات المجتمع المدني خلال العقود الماضية لتعزيز التفاهم المتبادل.كما حذرت الورقة من تنامي خطاب الكراهية والنبرة التصعيدية في الفضاء الرقمي، مشيرة إلى أن منصات التواصل الاجتماعي أسهمت في تسريع انتشار المحتوى المثير للانقسام، ما يجعل الحاجة إلى صحافة مسؤولة وأخلاقية أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.وفي هذا السياق، أكد وسيم حداد، مدير برامج كايسيد في المنطقة العربية، أن بناء السلام لا يمكن أن يبقى حبيس المؤتمرات والوثائق الرسمية، بل يحتاج إلى الوصول إلى الجمهور من خلال قصص إنسانية دقيقة وموثوقة تعكس الواقع وتدعم قيم التفاهم. وأضاف أن الصحفيين يمثلون شركاء أساسيين في هذه المهمة من خلال قدرتهم على مواجهة السرديات الضارة وتعزيز مساحات الحوار والتعايش.

واستنادًا إلى مراجعات علمية ومقابلات مع قادة إعلام وخبراء في بناء السلام، حددت الورقة ثلاثة أدوار رئيسية للإعلام تتمثل في تبسيط المفاهيم الدينية واللاهوتية للجمهور، وبناء الجسور بين المجتمعات الدينية المختلفة، وتسليط الضوء على المبادرات المحلية وصناع السلام الذين يعملون بعيدًا عن الأضواء.ولتحويل هذه الرؤية إلى خطوات عملية، أوصت الورقة بتوسيع برامج تدريب الصحفيين على أدوات الحوار بين أتباع الأديان والثقافات، واعتماد مبادئ الصحافة المراعية للنزاعات، وتعزيز الثقافة الدينية داخل غرف الأخبار، إلى جانب تطوير تشريعات وسياسات إعلامية تدعم المواطنة والتعددية والتعايش السلمي.من جانبها، أكدت مايا سكر، مسؤولة برامج كايسيد في المنطقة العربية، أن الإعلام يمتلك قدرة استثنائية على تشكيل وعي المجتمعات تجاه التنوع الديني والثقافي، إلا أن هذه القوة ما زالت بحاجة إلى استثمار أكثر تنظيماً وفاعلية. واعتبرت أن الورقة تمثل دعوة مفتوحة أمام الصحفيين والمؤسسات الإعلامية والدينية وصناع القرار لبناء شراكات جديدة تجعل من السلام قيمة مركزية في العمل الإعلامي.

وتأتي هذه المبادرة في إطار جهود كايسيد الرامية إلى تعزيز الحوار كوسيلة فعالة لمنع النزاعات وتسويتها، وترسيخ قيم الاحترام المتبادل والتعاون بين أتباع الأديان والثقافات، بما يسهم في بناء سلام مستدام داخل المجتمعات وحول العالم.

بطاقة إيداع بالسجن جديدة في حق زياد الهاني في ما يعرف بقضية بلدية قرطاج

أصدرت دائرة الاتهام بمحكمة الاستئناف بتونس يوم الأربعاء 10 جوان 2026 بطاقة إيداع بالسجن في حق الصحفي زياد الهاني وثلاثة متهمين آخرين، كانوا جميعاً أعضاء في النيابة الخصوصية لبلدية قرطاج خلال فترة إشرافهم على تسيير شؤونها. وتتعلق القضية بشبهات فساد في إسناد قطعة أرض بمنطقة قرطاج لأحد الخواص بثمن دون قيمتها الحقيقية حسب لائحة الاتهام.

تفاصيل التهم الموجّهة

تستند التهم الموجّهة إلى المتهمين، وفق مصدر مطلع، إلى شبهة “استغلال موظف عمومي لصفته لاستخلاص فائدة لا وجه لها لنفسه أو لغيره، والإضرار بالإدارة، ومخالفة التراتيب المنطبقة على تلك العمليات، إضافة إلى التدليس واستعمال وثائق مدلّسة”.

وتعود جذور القضية إلى شكاية قدّمتها في ديسمبر 2022 جمعية تعنى بحماية التراث الأثري والثقافي بمدينة قرطاج، أشارت فيها إلى وجود شبهة فساد تتعلق بإسناد قطعة أرض في المنطقة لخاص بثمن لا يتناسب مع قيمتها الفعلية، ودون الرجوع إلى خبراء أملاك الدولة. وقد خلص الخبراء المنتدبون لاحقاً إلى وجود فارق كبير بين ثمن البيع المضمّن في عقد التفويت والقيمة الحقيقية للعقار وقت إبرام الصفقة، مما ألحق ضرراً مالياً بميزانية البلدية.

وقد تولّت فرقة أمنية مختصة تنفيذ بطاقات الإيداع الصادرة في حق المتهمين الأربعة.

زياد الهاني أمام جبهتين قضائيتين

لا تُعدّ هذه القضية الوحيدة التي يواجهها زياد الهاني أمام القضاء. فقد صدر بحقه سابقاً حكم ابتدائي بالسجن سنة في قضية منفصلة، طُبّق فيها الفصل 86 من مجلة الاتصالات بسبب تدوينة نشرها تضمّنت معطيات ذات صلة بملف قضائي. وقد استأنف الحكم، وحدّدت محكمة الاستئناف بتونس جلسة يوم 12 جوان 2026 للنظر في القضية.

سياق: النيابات الخصوصية والفصل 86

تندرج هذه القضية في سياق يتعلق بمرحلة النيابات الخصوصية، وهي هياكل تسيير محلي عيّنتها السلطة المركزية بعد حلّ المجالس البلدية المنتخبة. وقد بات عدد من أعضائها يواجهون اليوم مساءلات قضائية على قرارات اتُّخذت خلال تلك الفترة.

أما الفصل 86 من مجلة الاتصالات، فقد وُظِّف في قضايا عديدة طالت صحفيين ومدوّنين، وأثار انتقادات واسعة من منظمات حقوق الإنسان ومنظمات حرية الصحافة الدولية، في مقدّمتها منظمة “مراسلون بلا حدود” ولجنة حماية الصحفيين، اللتان طالبتا مراراً بمراجعة هذا النص القانوني.

مع اقتراب موعد جلسة 12 جوان في القضية الأولى، وصدور بطاقة الإيداع في القضية الثانية، يبقى مصير زياد الهاني رهين قرارات قضائية متتالية لم تُحسم بعد.

المحكمة الابتدائية بتونس تُصدر أحكاماً بالسجن المؤبد في قضية الجهاز السري لحركة النهضة

أصدرت الدائرة الجنائية المختصّة بالمحكمة الابتدائية بتونس في قضايا الإرهاب مساء الثلاثاء 2 جوان 2026 أحكامها في ما عرف بقضيّة الجهاز السرّي لحركة النهضة في قاعة الدائرة الجنائية المختصة بالنظر في قضايا الإرهاب ،بالسجن مدى الحياة. وثلاثون سنة إضافية. هكذا يُختتم مسار راشد الغنوشي، الرجل الذي أسّس حركة النهضة في الخفاء، وقاوم السجون والمنافي، ثم عاد على أجنحة الثورة ليحكم، قبل أن تنقلب عليه الدائرة ويجد نفسه، في عمر الرابعة والثمانين، يسمع قاضياً يُودعه خلف القضبان إلى غير رجعة.

ليلة الأحكام: أرقام تتجاوز حدود المتخيّل

خمسة وثلاثون متهماً. أحكام تتراوح بين عشر سنوات والسجن مدى الحياة. لم تُبقِ المحكمة على هامش من الرأفة لأيٍّ من الأسماء الكبيرة التي يعرفها التونسيون جيداً. مصطفى خذر، الذي طالما تردّد اسمه في الكواليس القضائية، نال العقوبة الأثقل على الإطلاق: السجن مدى الحياة مضافاً إليه ستة وتسعون سنة. رقم يتجاوز حدود الإدراك، ويعكس خطورة التهم المنسوبة إليه في نظر القضاء.

وجاءت الأحكام المتبقية على النحو ذاته في ثقلها. رضا الباروني والطاهر بوبحري وكمال العيفي وسبعة متهمين آخرين، كل واحد منهم يصطدم بحكم بالسجن مدى الحياة مقروناً بستة وسبعين سنة. فتحي البلدي يحمل وطأة السجن مدى الحياة وخمسين سنة زيادة. عبد العزيز الدغسني السجن المؤبد وسبعاً وثلاثين سنة إضافية. كمال البدوي السجن مدى الحياة باثنين وثلاثين سنة فوقها. سمير الحناشي المؤبد وثلاثون سنة. وراشد الغنوشي في الصف ذاته، المؤبد مقروناً بثلاثين سنة من السجن.

أما من نجا من السجن المؤبد فلم ينجُ من الأعوام المتراكمة. قيس بكار ثمانية وأربعون سنة. بلحسن النقاش ستة وأربعون. علي العريض، نائب الرئيس الأول للحركة ورئيس الحكومة الأسبق، اثنان وأربعون سنة. علي الفرشيشي أربع وثلاثون. ومتهمون آخرون بين عشر وثماني عشرة سنة. وفي نهاية كل حكم، بند واحد يطال الجميع دون استثناء: الوضع تحت المراقبة الإدارية لمدة خمس سنوات عقب انقضاء العقوبة.

وقد أقرّت المحكمة في حق المتهمين جملة من التهم ذات الصلة بالإرهاب، أبرزها: التآمر على تأسيس تنظيم إرهابي والانتماء إليه، ووضع الكفاءات والخبرات في خدمة هذا التنظيم، وهي تهم تعاقب عليها قوانين مكافحة الإرهاب التونسية بصرامة لا تقبل التأويل.

2013: حين بدأت الخيوط تُنسج

لفهم هذا الحكم، لا بدّ من العودة ثلاثة عشر عاماً إلى الوراء. كانت تونس في عام 2013 تعيش على صفيح ساخن. في السادس من فيفري، أُردي شكري بلعيد، رمز اليسار التونسي، قتيلاً أمام منزله في ساعة الفجر. وفي الخامس والعشرين من جويلية من العام ذاته، سقط النائب والمناضل القومي محمد البراهمي بدوره تحت رصاصة الغدر. جريمتان، صدمتان، وسؤال واحد ظلّ معلّقاً دون إجابة قاطعة طوال سنوات: من أعطى الأمر؟

هذا السؤال بالذات هو الذي حمله هيئة الدفاع عن عائلتي بلعيد والبراهمي إلى أروقة القضاء سنة 2022، متّهمةً ما وصفته بـ”الجهاز السري” لحركة النهضة، أي تلك البنية السرية الموازية التي يُقال إنها عملت خارج كل شرعية، مخترقةً أجهزة الدولة، جامعةً المعلومات، ومدبّرةً — وفق ما تقوله وثائق الاتهام — أعمالاً ذات طابع عنيف. وقد صوّر الادعاء راشد الغنوشي لا بوصفه شاهداً بعيداً عن الأحداث، بل مشرفاً مباشراً على هذا الجهاز ومحرّكاً له.

في المقابل، لم تتزحزح حركة النهضة قيد أنملة عن موقفها. فهي تنفي من الأساس وجود أي جهاز سري في هياكلها، وترى في هذه القضية برمّتها توظيفاً سياسياً للقضاء بهدف تصفية المعارضة وإسكات أصوات منافسة للسلطة.

حركة، ثورة، سقوط

لا يمكن فهم ما جرى في قاعة المحكمة دون استحضار مسار حركة النهضة الطويل والمتشعّب. وُلدت في السرية إبان قمع بورقيبة، وتصلّبت في مواجهة منظومة بن علي التي زجّت بمئات من كوادرها في السجون وشتّتت قياداتها في المنافي. ثم جاءت ثورة جانفي 2011 لتُعيد رسم خارطة البلاد، فأفرزت الانتخابات الحرة في أكتوبر من العام ذاته فوزاً تاريخياً لحركة النهضة في أول اقتراع تعددي تشهده تونس. عاد الغنوشي من لندن محمولاً على أكتاف الجماهير، وبسمعة مفكّر إسلامي يؤمن بالديمقراطية وقابلية الإسلام السياسي للتعايش مع الحرية.

غير أن الحكم كشف سريعاً عمق التوترات الكامنة. اغتيالا 2013، والأزمات الاقتصادية المتتالية، واتهامات التغلغل في مفاصل الدولة، كلها عوامل أفقدت الحركة تدريجياً ثقة شرائح واسعة من التونسيين. وحين أقدم الرئيس قيس سعيّد في الخامس والعشرين من جويلية 2021 على تجميد البرلمان ثم تركيز السلطات في يده، بات الجهاز القضائي أداةً في يد تنفيذية لا رقيب عليها، فانهالت الملاحقات على قيادات الحركة واحدة تلو الأخرى.

منذ إيداع الغنوشي السجن في أفريل 2023، لم تتوقف وتيرة المحاكمات. أُغلقت مقرات الحركة في كامل أنحاء الجمهورية. اعتُقل خلفاؤه الواحد تلو الآخر. وتحوّل الحزب الذي كان يوماً القوة الانتخابية الأولى في البلاد إلى هيكل بلا رأس، قياداته إما خلف القضبان وإما في المنفى.

حكم أُغلق، أسئلة لم تُغلق

في مساء الثاني من جوان 2026، قضت المحكمة بما قضت به. لكن الحكم القضائي شيء، والحكم التاريخي شيء آخر. بين من يرى في هذه الأحكام خاتمة طال انتظارها لمسيرة بحث عن الحقيقة في حق عائلتي بلعيد والبراهمي، وبين من يقرأ فيها إعداماً قضائياً لتيار سياسي بأسره على يد سلطة لا تُسائَل، تبقى الهوّة عميقة. وهي هوّة لن تُردمها أقفاص الاتهام، ولن تُغلقها أبواب المحاكم.

ليبيا: تداول اسم ناصر السنوسي في الكواليس الدبلوماسية.. هل يكون مفتاح المرحلة الانتقالية؟

تونس/طرابلس ــ في الأروقة المغلقة للبعثات الدبلوماسية ومقرات الأحزاب غير المعلنة، يتردد اسم لم يخرج بعد إلى الإعلام الرسمي. ناصر صلاح منصور صفي الدين الشريف السنوسي، رجل في الرابعة والخمسين من عمره، ليس وزيراً ولا قائد مليشيا. لكنه، وفق من يطرحونه، “رجل الوصل” الذي قد يفك اشتباكاً ليبياً مستعصياً. كيف؟ بعلاقاته الممتدة من بنغازي إلى طرابلس مروراً بسبها. ولماذا الآن؟ لأن الانتخابات المؤجلة تتحول إلى كابوس، والليبيين، في غالبيتهم الصامتة، لم يعودوا يتحملون وجوهاً استهلكت في الحروب.

مرشح بلا منصة: حين تصبح العزلة السياسية ميزة

لا يملك ناصر السنوسي مقراً للقيادة، ولا كتيبة عسكرية تتبعه. هذا ما يردده منتقدوه. لكن مؤيديه يقرؤون الأمر من زاوية معاكسة: عدم انخراطه في دوائر صنع القرار الحالية يمنحه حرية الحركة. لم يُتهم بالفساد، لم يُدرج في قوائم العقوبات الدولية، لم يصدر بحقه بيان إدانة من أي من الأطراف المتحاربة سابقاً.

المتابعون للشأن الليبي يذكرون أنه حفيد صفي الدين الشريف السنوسي، أحد أبرز وجوه المقاومة للاستعمار الإيطالي ثم مرحلة تأسيس الدولة الليبية الحديثة. انتماء عائلي يمنحه شرعية رمزية، لكنه لا يمنحه سلطة ميدانية. بين الميزتين، يحاول الرجل بناء مسار ثالث: مسار الحوار الهادئ، بعيداً عن المنابر الإعلامية الصاخبة.

منذ سنوات، وهو ينسق لقاءات غير معلنة بين شخصيات قبلية من الشرق وشخصيات مدنية من الغرب. لا بيانات ختامية، لا مؤتمرات صحفية. مجرد تقريب وجهات نظر. هذا الأسلوب، شديد البطء، لم ينتج حتى الآن خارطة طريق واضحة. لكنه، بحسب مراقبين تونسيين تابعوا الملف، أنتج شيئاً قد يكون أثمن في المدى القصير: ثقة متبادلة هشة بين أطراف كانت بالأمس تتبادل الاتهامات بالخيانة.

المشهد الليبي: انقسام متجذر وانتخابات سرابية

لفهم الاندفاعة نحو البحث عن وجه جديد، لا بد من العودة إلى طبيعة الأزمة الليبية كما هي اليوم. البلاد منقسمة إدارياً بين حكومة في طرابلس معترف بها دولياً، وسلطة موازية في الشرق. المؤسسة العسكرية منقسمة بدورها. البنك المركزي، شريان الاقتصاد الوحيد، تعطلت آلياته لسنوات.

محاولات تنظيم انتخابات رئاسية وتشريعية، كان آخرها في ديسمبر 2021، اصطدمت بأزمة ثقة. كل طرف يخاف من خسارة صناديق الاقتراع أكثر مما يطمح للفوز بها. النتيجة: تعطيل متبادل ووصول البلاد إلى طريق مسدود.

في تونس، التي تتابع الملف عن كثب بسبب حدودها الغربية الطويلة، يثير هذا الجمود قلقاً أمنياً واقتصادياً. تهريب السلع والوقود والأدوية، وعبور المقاتلين، كلها تداعيات غير مباشرة لغياب الدولة المركزية في ليبيا. لذلك، فإن أي حديث عن شخصية قادرة على لملمة الشتات السياسي يلقى اهتماماً استثنائياً في أروقة قرطاج وباردو، وإن لم يصرّح به رسمياً.

تحديات أي قادم جديد: من التوافق إلى التنفيذ

حتى لو حظي السنوسي بتوافق واسع، وهو أمر لم يتحقق بعد، فإن طريقه محفوف بعقبات جوهرية. أولاً: توحيد المؤسسة العسكرية. لا يمكن تنظيم انتخابات في ظل جيشين. ثانياً: الملف الاقتصادي. الموازنة العامة، توزيع عائدات النفط، ورفع الدعم عن المواد الأساسية دون إحداث انفجار اجتماعي. ثالثاً: إصلاح القضاء ليصبح طرفاً محايداً في النزاعات الانتخابية.

المسألة لا تتعلق فقط بشخصية الرئيس أو رئيس الوزراء القادم. تتعلق بمنظومة حكم بأكملها. هنا يظهر سؤال جوهري: هل يمكن لرجل بلا جهاز أمني، بلا حزب جماهيري، أن يفرض إرادة التوافق على فاعلين مسلحين يملكون حق النقض الميداني؟

بعض المحللين يعتبرون أن تجارب مشابهة في المنطقة، من تونس إلى السودان، أثبتت أن الشخصيات التوافقية غالباً ما تنهار تحت وطأة الضغط العسكري أو المالي. بينما يرى آخرون أن استمرار الفشل الذريع لوجوه الصراع التقليدية قد يخلق فراغاً يملؤه بالضرورة نوع جديد من القيادات. قيادات لا تفاوض على السلطة، بل على “جدول زمني واضح للتسليم”.

رمزية الانتظار

إلى حدود كتابة هذه الأسطر، لم يصدر عن ناصر السنوسي أي تصريح يؤكد أو ينفي رغبته في تقلد أي منصب. البعض يعتبر صمته حكمة سياسية، والبعض الآخر يراه دليلاً على أن اسمه يُستعمل للاستهلاك الإعلامي فقط. لكن في بلد مثل ليبيا، حيث كل كلمة تتحول إلى سلاح، فإن الصمت أحياناً يكون الناطق الوحيد بثقل المرشح.

يبقى السؤال الذي لا تجيب عليه المصادر الدبلوماسية: هل يمكن لرجل عاش عقوداً في الظل، بعيداً عن الكاميرات، أن يتحول فجأة إلى قائد مرحلة انتقالية في أكثر بلدان المغرب العربي تعقيداً؟

تونس: السجن عشر سنوات لشوقي الطبيب الرئيس السابق لهيئة مكافحة الفساد

قرّرت الدائرة الجنائية بالقطب القضائي المالي بالمحكمة الابتدائية بتونس، الخميس 21 ماي 2026، الإقرار بثبوت إدانة الرئيس السابق لهيئة مكافحة الفساد، المحامي شوقي الطبيب، من أجل تهم متعلّقة بالتدليس، والحكم ضدّه بالسجن لمدّة عشرة أعوام. وقد أفاد بذلك مصدر قضائي لوكالة تونس أفريقيا للأنباء، في قضية تعود جذورها إلى أحداث سياسية مضطربة شهدتها تونس سنة 2020، حين كان الطبيب على رأس إحدى أبرز مؤسسات الرقابة في البلاد.

وثائق مزوّرة في قلب الأزمة

تعود وقائع هذه القضية إلى سنة 2020، حين أحال شوقي الطبيب، بصفته رئيساً للهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، جملةً من الوثائق إلى مجلس نواب الشعب، تضمّنت ادّعاءات بوجود تضارب في المصالح يطال رئيس الحكومة آنذاك إلياس الفخفاخ. غير أنّ التحقيق القضائي خلص إلى أنّ بعض هذه الوثائق تنطوي على تزوير، وهو ما شكّل النواة الصلبة للملف الجنائي الذي بتّت فيه المحكمة مساء أمس.

وقد تمسّك قضاة الدائرة الجنائية المختصة بالنظر في قضايا الفساد المالي بثبوت تهم التدليس ومسك وثائق مدلّس فيها واستعمالها، فضلاً عن إعدام الكتب موضوع التزوير، وهي تهم بالغة الخطورة في منظومة قانون العقوبات التونسي.

وفي سياق هذا الملف نفسه، كان قاضي التحقيق بالقطب القضائي الاقتصادي والمالي قد أصدر في حقّ شوقي الطبيب بطاقة إيداع في إطار البحث التحقيقي المبني على تقرير دائرة المحاسبات. بيد أنّ الطبيب مثل أمام هيئة الحكم في حالة سراح.

رجل في قلب المنظومة الرقابية

لا يمكن فهم أبعاد هذا الحكم دون استحضار المسار المهني لشوقي الطبيب. فهذا المحامي وعميد المحامين السابق لم يكن مجرّد موظف سامٍ، بل كان الوجه الأبرز للهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، تلك المؤسسة التي أُسّست في أعقاب ثورة 2011 لتجسيد قطيعة حقيقية مع منظومة الفساد الموروثة عن العهد البائد.

وفي أوت 2020، أقاله رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ من منصبه في ظروف متوترة، بعد أن تحوّلت العلاقة بينهما إلى مواجهة علنية حادّة، إذ كانت الهيئة بصدد التحقيق في ملف تضارب المصالح المنسوب إلى الفخفاخ نفسه، قبل أن يتقدّم هذا الأخير باستقالته لاحقاً.

مكافحة الفساد في تونس: مسار شائك

منذ سنة 2011، راكمت تونس ترسانة تشريعية ومؤسسية في مجال مكافحة الفساد، غير أنّ الهوّة بين النصوص والواقع ظلّت واسعة. فالهيئة الوطنية لمكافحة الفساد عانت على مرّ السنين من ضغوط سياسية متكرّرة، وشحّ في الموارد، وتجاذبات حادّة مع مختلف مراكز النفوذ.

وتواصل منظمات دولية متخصصة، كمنظمة الشفافية الدولية، رصد تفشّي ظاهرة الفساد في مختلف قطاعات الدولة التونسية، في حين تشير تقارير المجتمع المدني المحلي إلى أن الإفلات من العقاب لا يزال سمةً بارزة في المشهد العام.

وفي هذا السياق، يأتي الحكم الصادر في حقّ شوقي الطبيب ليطرح تساؤلات عميقة حول مدى قدرة المنظومة القضائية التونسية على تحقيق العدالة بمعزل عن الحسابات السياسية، لا سيّما في ظلّ التحوّلات الجوهرية التي عرفها المشهد السياسي منذ 25 جويلية 2021.

الحكم الصادر أمس ليس نهائياً، إذ يبقى قابلاً للطعن بالاستئناف أمام محاكم الدرجة الثانية، ما يعني أنّ هذا الملف لم يُقفل بعد. والسؤال الذي يطرحه كثيرون اليوم ليس فقط عن مآل هذه القضية بالذات، بل عن المعنى الأعمق لمحاكمة رجل جعل من محاربة الفساد مهنته ورسالته: هل تعكس هذه المحاكمة نضجاً مؤسسياً حقيقياً، أم أنّها تكشف عن هشاشة المنظومة برمّتها؟

تونس: سنة سجناً بحق الصحفي زياد الهاني بسبب انتقاده القضاء

في 7 ماي 2024، أصدرت الدائرة االجناحية بالمحكمة الابتدائية بتونس حكماً يقضي بسجن الصحفي زياد الهاني لمدة عام من أجل تعمة ازعاج الغير عبر شبكات الاتصال على معنى أحكام الفصل 86 من مجلة الاتصالات، وذلك علىخلفية نشره مداخلة له في ندوة علمية بكلية الحقوق انتقد فيها قراراً قضائياً. وجاءت هذه العقوبة بعد نحو شهر من ايقافه، في قضية اعتبرها محاموه ونقابة الصحفيين امتداداً لسياسة تضييق الخناق على الأصوات الناقدة، في بلد يشهد منذ 2021 تراجعاً حاداً في مكاسب الحرية التي تحققت بعد ثورة 2011.

تفاصيل الحكم وموقف الصحفي

قضت إالدائرة االجناحية بالمحكمة الابتدائية بتونس العاصمة، الخميس 7 ماي، بسجن الصحفي زياد الهاني سنة كاملة مع التنفيذ الفوري. وكان الهاني قد أوقف في شهر أفريل الماضي على خلفية مقال رأى فيه القضاء “تجاوزاً” بحق حرية التعبير. وأوضح محامي الصحفي أن التهمة الأساسية تتمثل في “الإساءة إلى القضاء عبر شبكات الاتصال” وهي جنحة يعاقب عليها القانون التونسي بالسجن إلى جانب الخطية المالية.

لكن اللافت في القضية هو إعلان الهاني، في رسالة من سجنه نشرتها عائلته الأربعاء 6 ماي، رفضه الطعن في الحكم. وكتب: “أواجه محاكمة غير شرعية تُنتهك فيها حقوقي. ولن أعترف بأي نتيجة تصدر عنها”. هذا الموقف يقطع مع العادة القضائية التي يلجأ فيها المتهمون إلى استنفاذ درجات التقاضي، ويراه مراقبون تحدياً صريحاً لسلطة قضائية باتت، وفق تعبيرهم، “خاضعة للإرادة التنفيذية”.

من جهته، أصدرت النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين بياناً استنكارياً، وصفته بـ”الحكم السياسي بغطاء قضائي”، مطالبة بالإفراج الفوري عن الهاني وكافة الزملاء المسجونين بتهم مماثلة.

السياق التونسي: من ثورة الحرية إلى عودة القبضة

وكان الرئيس قيس سعيد قد أقدم في جويلية 2021 على حل البرلمان المنتخب وتعليق العمل بالدستور، متخذاً صلاحيات التشريع بمراسيم رئاسية. وبرّر ذلك بمكافحة الفساد وإنقاذ الدولة من “الانقلاب الداخلي”.

بعد عام، وفي 2022، حلّ الرئيس المجلس الأعلى للقضاء، وأقال العشرات من القضاة في خطوة اعتبرتها المعارضة والمنظمات الحقوقية “انقلاباً على استقلالية السلطة القضائية”. سعيد، الذي يرفض تسمية “ديكتاتور”، يردّ بأنه “طهّر القضاء من الفاسدين” وأن المحاكم أصبحت اليوم “أكثر استقلالية من أي وقت مضى”.

لكن الوقائع الميدانية تقول غير ذلك. فمنذ 2021، دخل السجن عشرات القيادات السياسية المعارضة، بينهم رؤساء أحزاب ووزراء سابقون، إضافة إلى ناشطين وصحفيين ورجال أعمال. وجاء ذلك بتهم تتراوح بين “التآمر على أمن الدولة” و”غسل الأموال” و”الفساد المالي”. ورغم نفي سعيد المتكرر لاتهامات خصومه، فإن المنظمات الحقوقية الدولية كـ”هيومن رايتس ووتش” و”العفو الدولية” تتحدث عن “عودة ممنهجة للسلطوية”.

ما بعد 2011: استثناء عربي يذوب في الزمن الصعب

بعد الثورة التي أطاحت بالرئيس زين العابدين بن علي سنة 2011، كانت تونس تعتبر النموذج الوحيد الناجح للربيع العربي، حيث ازدهرت حرية التعبير وانفتح المجال أمام وسائل إعلام مستقلة. لكن هذا الاستثناء اهتز منذ 2021، مع تراكم المراسيم الرئاسية التي قلصت هامش المعارضة والصحافة النقدية. اليوم، يرى خبراء أن “احتكار السلطة” أصبح واقعاً، وأن “القضاء” تحول إلى أداة لإسكات المعارضين، في تناقض صارخ مع روح دستور 2014 الذي كان يُعتبر الأكثر تقدمية في المنطقة.

مع الحكم على زياد الهاني، لا تطرح أسئلة حول شرعية هذه المتابعة وحدها، بل مصير ما تبقى من حرية الصحافة في تونس أيضاً. فبين الصحفي الذي يرفض الاستئناف متحدياً، وسلطة تقول إنها تطبق القانون، وبين شارع كان يوماً أيقونة التغيير وها هو اليوم يراقب في صمت، يبقى السؤال مفتوحاً: هل ستنجح تونس في استعادة توازنها الديمقراطي قبل أن يصبح الصمت دستوراً جديداً؟